زلزال الرؤوس:طاطوش خلف القضبان…هل بدا تساقط اوراق الخريف

زلزال الرؤوس:طاطوش خلف القضبان…هل بدا تساقط اوراق الخريف

كريمة دهناني


لم يمر قرار إيداع عبد الإله طاطوش، رئيس الجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان وحماية المال العام، سجن الأوداية مرور الكرام في مدينة مراكش. فالحدث لم يُقرأ كمجرد إجراء قضائي روتيني، بل كتحول لافت في مسار شخصية ارتبط اسمها بملفات المال العام وإثارة الجدل في الساحة المحلية.
الرجل الذي اعتاد الظهور في موقع المبلّغ عن اختلالات مفترضة، يجد نفسه اليوم في وضع قانوني مغاير، بعدما وُجهت إليه تهم تتعلق بتبييض الأموال والنصب. انتقال مفاجئ من موقع المشتكي إلى موقع المتهم، يفتح الباب أمام أسئلة قانونية وسياسية متشابكة، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات.
مسار قضائي متسارع
المعطيات المتداولة تشير إلى أن النيابة العامة قررت جمع شكايتين في ملف واحد، في خطوة توحي برغبة في معالجة شاملة للوقائع موضوع البحث.
تبييض الأموال: تهمة ذات طبيعة تقنية، تستدعي تدقيقاً في المسارات المالية والممتلكات والتحويلات المحتملة، وغالباً ما تعتمد على خبرات محاسباتية متخصصة.
النصب: تهمة ترتبط بعلاقات ومعاملات مباشرة، وتمس جانب الثقة بين الأطراف، وتحمل بعداً مدنياً إلى جانب شقها الجنحي.
إحالة الملف على الفرقة الجهوية للشرطة القضائية، ثم عرضه على قاضي التحقيق، يعكس توجهاً نحو تعميق البحث قبل أي حسم نهائي. وفي هذا السياق، تبقى قرينة البراءة مبدأً دستورياً ثابتاً إلى أن يقول القضاء كلمته.
سياق وطني حساس
تزامن القضية مع النقاش العمومي حول تعديل قانون المسطرة الجنائية يضفي عليها بعداً إضافياً. فالتعديلات المقترحة، خصوصاً ما يتعلق بدور الجمعيات في التبليغ عن جرائم المال العام، أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والسياسية.
لذلك يطرح متتبعون تساؤلات مشروعة:
هل يتعلق الأمر بملف جنائي صرف يخضع لمسطرة عادية؟
أم أن السياق العام يمنحه حمولة رمزية تتجاوز الشخص إلى النقاش حول حدود تدخل المجتمع المدني في قضايا الفساد؟
الإجابة تبقى رهينة بمخرجات البحث القضائي بعيداً عن التأويلات المسبقة.
بين الصورة السابقة والواقع القضائي
عبد الإله طاطوش لم يكن اسماً عابراً في المشهد الحقوقي المحلي، إذ ارتبط اسمه بشكايات وتصريحات أثارت نقاشاً واسعاً. لذلك فإن متابعته بتهم مالية تضع الرأي العام أمام فرضيتين:
إما أن التحقيق سيكشف عن اختلالات فعلية تستوجب المساءلة القانونية؛
أو أن الملف سيظهر محدود النطاق ولا يرتقي إلى الصورة التي رُسمت له إعلامياً.
وفي الحالتين، يبقى الفيصل هو مسار العدالة، بعيداً عن منطق الاصطفاف أو محاكمة النوايا.
اختبار لمبدأ المساواة أمام القانون
القضية، في جوهرها، تمثل اختباراً لمدى تكريس مبدأ المساواة أمام القانون، سواء تعلق الأمر بمسؤول عمومي أو فاعل جمعوي أو أي مواطن آخر. فاستقلالية القضاء تُقاس بقدرته على التعامل مع الملفات بمعزل عن الخلفيات السياسية أو النضالية للأطراف المعنية.
كما أن مواقف باقي الفاعلين الحقوقيين ستعكس بدورها طبيعة اللحظة: هل يُنظر إلى المتابعة باعتبارها استهدافاً لجسم جمعوي؟ أم كإجراء قضائي طبيعي في إطار دولة المؤسسات؟
منعطف في المشهد الحقوقي
بغض النظر عن المآلات، يشكل هذا التطور محطة مفصلية في مسار العمل الحقوقي المحلي. فقد يظل الملف في حدوده الجنائية الضيقة، أو يتحول إلى نقطة تحول أوسع إذا ما اتسعت دائرة المتابعات.
المؤكد أن القضية أعادت ترتيب النقاش حول العلاقة بين المجتمع المدني ومؤسسات العدالة. وما ستكشفه الأيام المقبلة سيحدد ما إذا كنا أمام لحظة تصحيح لمسار معين، أم مجرد ملف قضائي سيأخذ طريقه المعتاد داخل أروقة المحاكم.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء