أطر تحلل وأعضاء يهللون: هل فقد مجلس مراكش دوره الرقابي؟

أطر تحلل وأعضاء يهللون: هل فقد مجلس مراكش دوره الرقابي؟

متابعة كريمة دهناني

احتضنت مدينة مراكش لقاءً تواصليًا خُصِّص لموضوع “مالية جماعة مراكش: الواقع والتحديات”، في سياق يُفترض أن يكون مدخلًا لترسيخ الشفافية وفتح نقاش عمومي مسؤول حول تدبير المال العام المحلي، في مدينة تُعد من أكبر الحواضر الوطنية وأكثرها تعقيدًا من حيث الإكراهات المالية والاجتماعية.
اللقاء، من حيث الشكل والمحتوى التقني، تميز بعروض وصفت بالرصينة والدقيقة، قدّمها أطر إدارية ومالية وازنة، من بينها رئيسة قسم الميزانية والمحاسبة والصفقات، ورئيس قسم الموارد المالية بالجماعة، إلى جانب الخازن الإقليمي بمراكش، مع مساهمة أساتذة جامعيين متخصصين في المالية العمومية والتدبير الترابي.

وقد عكست هذه العروض مستوى أكاديميًا وتقنيًا محترمًا، مكّن من تفكيك المؤشرات المرتبطة بالموارد والنفقات، وآليات التحصيل، ووضعية الميزانية.
غير أن القيمة التقنية للقاء اصطدمت، في المقابل، بواقع سياسي باهت، تجلّى في ضعف حضور المنتخبين، وعلى رأسهم غياب رئيسة المجلس الجماعي لمدينة مراكش، بصفتها الآمرة بالصرف والمسؤولة السياسية الأولى عن مالية الجماعة، إلى جانب غياب اغلب نوابها وأعضاء المجلس.

وهو غياب لا يمكن اعتباره تفصيلاً عابرًا، بل يطرح أسئلة جوهرية حول مدى انخراط المنتخبين في النقاشات المرتبطة بالقرارات المالية التي تمس بشكل مباشر حياة المواطنين.
الأكثر من ذلك، أن النقاش الذي كان يُفترض أن يرقى إلى مستوى رهانات مدينة بحجم مراكش، اتسم في بعض لحظاته بمنطق التطبيل والتهليل، بدل النقاش التحليلي والنقد المسؤول. فمالية جماعة مراكش ليست مجالًا لاستعراض الأرقام أو الإشادة المجردة، بل مجالًا للمساءلة الصريحة حول نجاعة الصرف، وأولويات الاستثمار، وعدالة توزيع الموارد، وأثر السياسات المالية على الواقع اليومي للساكنة.
وقد أعاد هذا الوضع إلى الواجهة إشكالية التمثيلية السياسية داخل مثل هذه اللقاءات، خاصة في ظل تداول معطيات حول اعتماد قنوات غير رسمية في توجيه الدعوات، ما فتح نقاشًا مشروعًا حول التواصل المؤسساتي داخل المجلس الجماعي، وحول ما إذا كانت هذه اللقاءات تُراد لها أن تكون فضاءً للنقاش العمومي الحقيقي، أم مجرد تمرين تواصلي محدود الأثر.
ورغم هذا السياق، برزت مداخلات نوعية كسرت نسبيًا منسوب الرتابة، فقد قدّمت السيدة كريمة دهناني مداخلة وُصفت بالقوية، طرحت من خلالها تساؤلات جوهرية حول الفجوة القائمة بين الأرقام المالية المعروضة، والاختلالات البنيوية التي لا تزال تعرفها المدينة، خاصة على مستوى البنية التحتية وجودة الخدمات، متسائلة عن الأثر الفعلي لهذه الميزانيات على حياة المواطن المراكشي.


كما ركّز محمد المتوكل، ممثل جريدة الانتفاضة، في مداخلته على مصادر تمويل جماعة مراكش، مطالبًا بتوضيحات بشأن تنوعها ونجاعتها، وقدرتها على مواكبة حاجيات مدينة تعرف ضغطًا ديمغرافيًا وسياحيًا متزايدًا.

ولم يُغفل المتدخل الإشارة إلى الإشكالات البيئية، وفي مقدمتها تراكم النفايات في عدد من الأحياء، بما يعكس اختلالًا واضحًا بين ما يُصرف وما يُنجز.


ويجمع متتبعون على أن قيمة أي دراسة مالية لا تُقاس بجداول الأرقام وحدها، بل بمدى انعكاسها المباشر على الواقع المعيشي للساكنة. فالمواطن المراكشي لا ينتظر شروحات تقنية بقدر ما ينتظر نقلًا عموميًا منتظمًا، وأحياء نظيفة، وطرقًا صالحة للاستعمال، ومرافق عمومية تحترم كرامته وتستجيب لحاجياته اليومية.


إن تنظيم لقاءات تواصلية حول مالية الجماعة يظل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكن فعاليتها تبقى رهينة بحضور المسؤولين السياسيين المعنيين، وبإرادة حقيقية لتحويل النقاش من عرض الأرقام إلى ممارسة المساءلة، ومن التبرير إلى التقييم، ومن الخطاب إلى الأثر.


فمالية جماعة مراكش ليست ملفًا تقنيًا صرفًا، بل رافعة أساسية للتنمية المحلية، وأداة لقياس صدقية التدبير، ومؤشرًا على مدى احترام ذكاء وانتظارات ساكنة تستحق أكثر من مجرد أرقام… وتنتظر أفعالًا ملموسة على أرض الواقع.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء