استغلال الفقر في رمضان.. عندما تتحول “القفة” إلى وسيلة لرفع عدد المتابعين

استغلال الفقر في رمضان.. عندما تتحول “القفة” إلى وسيلة لرفع عدد المتابعين

هيئة التحرير

في شهر رمضان المبارك، حيث تتجدد قيم التضامن والتكافل بين المغاربة، وتكثر المبادرات الخيرية التي تهدف إلى مساعدة الأسر المعوزة، ظهرت في المقابل ممارسات غير أخلاقية على بعض الصفحات الفيسبوكية التي تستغل حاجة الناس لتحقيق مصالح رقمية ضيقة، على حساب كرامة الفئات الهشة.

وبعد الإشاعات التي تم تداولها مؤخراً حول اختطاف الأطفال، والتي سارعت المديرية العامة للأمن الوطني إلى نفيها وتوضيح حقيقتها للرأي العام، نلاحظ اليوم ظهور ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في استغلال الفقر والحاجة خلال شهر رمضان. فقد أصبحت بعض الصفحات الفيسبوكية تنشر إعلانات عن “قفة رمضان”، وتطلب من المتتبعين الإعجاب بالصفحة أو الاشتراك فيها وترك تعليق، مع وعد بالتواصل معهم لاحقاً، دون تقديم أي معلومات واضحة أو وسيلة تواصل مباشرة. هذا الأسلوب يثير الكثير من التساؤلات، ويعكس توجهاً خطيراً يتمثل في تحويل العمل الخيري إلى وسيلة لرفع عدد المتابعين والتفاعل على حساب كرامة المحتاجين.

ففي العديد من هذه المنشورات لا نجد رقماً هاتفياً للتواصل، ولا عنواناً محدداً، ولا تاريخاً واضحاً لعملية التوزيع، ما يجعل الأمر أقرب إلى استغلال عاطفة الناس وحاجتهم بدل تقديم مساعدة حقيقية لهم. والمحتاج ليس وسيلة لزيادة “الإعجابات” أو “التعليقات”، بل إنسان له كرامته وحقه في الاحترام.

كما أن المجتمع المغربي اليوم أصبح أكثر وعياً ونضجاً في التعامل مع مثل هذه المنشورات. فليس كل ما يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي يتم تصديقه أو التفاعل معه دون تحقق. فالمواطن المغربي لم يعد يقبل بسهولة مثل هذه الدعوات الغامضة، ولن يشارك أو يتفاعل إلا إذا كان متأكداً من مصداقية الصفحة ومن أن المبادرة حقيقية وواضحة المعالم. أما الأساليب المبنية على الغموض والكذب فهي لم تعد تنطلي على الناس كما كان يُعتقد.

ومن هذا المنبر، نوجه تحية حب وتقدير لساكنة مدينة مراكش، المدينة العريقة التي عُرفت دائماً بروح التضامن والكرم. كما نؤكد أن الإساءة إلى المغاربة، وخصوصاً المراكشيين، عبر مثل هذه الأساليب الملتبسة أمر مرفوض، لأن كرامة الناس لا يمكن أن تكون موضوعاً للتلاعب أو الاستغلال. وقد عبر عدد من المتابعين عن رفضهم لهذه الممارسات، بل إن بعضهم قرر سحب اشتراكه من عدد من الصفحات المبهمة التي تعتمد مثل هذه الأساليب، وهو موقف يعكس وعياً مجتمعياً متزايداً بضرورة التصدي لكل ما يسيء إلى قيم التضامن الحقيقية.

إن العمل الإنساني الحقيقي يقوم على الصدق والوضوح واحترام المستفيدين. فمن أراد فعلاً توزيع قفف رمضان على الأسر المعوزة، فالأمر بسيط وواضح: الإعلان الصريح عن مكان التوزيع، تحديد التاريخ والوقت، توفير وسيلة تواصل مباشرة مثل رقم هاتف أو واتساب، والتعامل بشفافية تامة مع المستفيدين.

أما نشر إعلانات مبهمة تطلب من الناس التفاعل فقط دون تقديم أي معلومات حقيقية، فهو سلوك يسيء إلى روح العمل الخيري، ويضرب في العمق الثقة التي بناها المجتمع المغربي عبر سنوات طويلة من التضامن والتآزر.

إننا اليوم في حاجة إلى حماية قيم العمل الإنساني من كل أشكال الاستغلال الرقمي، لأن الكرامة الإنسانية يجب أن تبقى فوق كل اعتبار. فمساعدة المحتاج شرف ومسؤولية، وليست وسيلة للتسويق أو لجمع المتابعين، والخير الحقيقي لا يُقاس بعدد التعليقات أو المتابعين، بل بصدق النية واحترام كرامة الإنسان.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء