الدعم العمومي تحت المجهر: مساءلة برلمانية تضع حكومة عزيز أخنوش أمام اختبار الشفافية
مراكش/ عبد اللطيف سحنون
تتزايد حدة الجدل في الساحة السياسية المغربية بشأن كيفية تدبير الدعم العمومي، في وقت تتعالى فيه أصوات نقابية وشعبية مطالِبة بمزيد من الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي خضم هذا النقاش، تواجه حكومة عزيز أخنوش انتقادات متنامية بعد بروز معطيات برلمانية تشير إلى احتمال وجود اختلالات في توزيع الدعم المالي الموجه لعدد من القطاعات الحيوية.
وفي هذا السياق، تقدم الفريق الحركي بمجلس النواب بطلب لتشكيل مهمة استطلاعية مؤقتة تهدف إلى فحص آليات تدبير منظومة الدعم العمومي، سواء المباشر أو غير المباشر. وتشمل هذه المهمة عدداً من القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية بتدبير هذه الموارد المالية، من بينها وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ووزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، إلى جانب وزارة الشباب والثقافة والتواصل، فضلاً عن الصناديق والهيئات التي تشرف على صرف هذا الدعم.
وتروم هذه المبادرة البرلمانية الوقوف على مدى فعالية السياسات المعتمدة في توزيع الدعم، ومدى احترامها لمبادئ الحكامة الجيدة وتكافؤ الفرص بين الفاعلين الاقتصاديين. كما تسعى إلى تقييم ما إذا كانت الأموال العمومية المرصودة تحقق أهدافها التنموية والاجتماعية، أم أنها تُستغل بشكل غير عادل بما يخدم مصالح فئات محدودة على حساب الصالح العام.
ويثير الدعم الموجه لبعض الأنشطة الاقتصادية، خاصة في مجالات الفلاحة والطاقة والاستيراد، نقاشاً واسعاً بين الخبراء والفاعلين، حيث يرى عدد من المراقبين أن ضخ مبالغ مالية ضخمة في هذه القطاعات لم ينعكس بالشكل المنتظر على القدرة الشرائية للمواطنين أو على استقرار الأسعار في السوق الوطنية.

كما يشدد الفريق البرلماني على ضرورة وضع معايير دقيقة لتحديد المستفيدين الحقيقيين من الدعم، وضبط ما يُعرف بعتبة الاستحقاق، بما يضمن توجيه الموارد إلى الفئات والقطاعات الأكثر حاجة، مع الحد من تعدد الوسطاء أو المستفيدين غير المؤهلين. وتشمل عملية التقييم كذلك دراسة أثر الدعم المهني ودعم الاستيراد على الأسعار وعلى توازن السوق الداخلية.
وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد مطالب المجتمع المدني وعدد من الهيئات النقابية بضرورة تعزيز آليات المراقبة وربط صرف المال العام بمبادئ الشفافية والنجاعة، بما يتماشى مع التوجيهات الملكية الداعية إلى حكامة جيدة في تدبير الشأن العام التي يؤكد عليها باستمرار محمد السادس.
وتأتي هذه الخطوة الرقابية في سياق أوسع من النقاش العمومي حول العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، حيث ينتظر الرأي العام أن تكشف المهمة الاستطلاعية المرتقبة عن حقيقة تدبير الدعم العمومي، وأن تسهم في تعزيز الثقة في المؤسسات وضمان توجيه الموارد المالية لخدمة التنمية وتحسين أوضاع المواطنين.
وفي موازاة هذا النقاش البرلماني، يطرح المواطنون تساؤلات ملحّة حول استمرار ارتفاع الأسعار في الأسواق الوطنية، خصوصاً أسعار المواد الأساسية والمنتجات الغذائية. فبالرغم من حجم الدعم الذي تخصصه الدولة لبعض القطاعات الاقتصادية، ما زالت القدرة الشرائية للأسر المغربية تعاني من ضغط متزايد، الأمر الذي يثير شكوكاً حول مدى انعكاس هذا الدعم فعلياً على استقرار الأسعار وحماية المستهلك. ويرى عدد من المتتبعين أن غياب آليات دقيقة لمراقبة سلاسل التوزيع والوساطة التجارية قد يساهم في امتصاص جزء كبير من آثار الدعم دون أن يصل أثره الحقيقي إلى المواطن.
وفي خضم هذا الجدل المتصاعد، يحاول بعض المتدخلين في السوق تبرير موجة الغلاء بالحديث عن تداعيات التوترات الدولية، وعلى رأسها الحرب التي تشهدها المنطقة المرتبطة بإيران، حيث يتم الترويج لكون هذه التطورات أثرت على أسعار الطاقة وخاصة الغازوال، وبالتالي ساهمت – بحسب هذا الطرح – في ارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات. غير أن عدداً من الجهات المعنية في المغرب نفت، إلى حدود الساعة، وجود علاقة مباشرة بين تلك التوترات الخارجية وارتفاع أسعار بعض المواد في السوق الوطنية، مؤكدة أن المعطيات المتوفرة لا تثبت أن ما يقع في تلك المنطقة كان له تأثير مباشر على الأسعار الداخلية، وهو ما يزيد من حدة النقاش حول الأسباب الحقيقية للغلاء ومسؤولية المتدخلين في السوق.
وفي سياق متصل، يثير بعض الفاعلين والمهتمين بقطاع الماشية قضية ما بات يُعرف بنشاط “فراقشية الأغنام”، الذين يُتهم بعضهم باللجوء إلى وسائل غير مباشرة للتأثير على السوق والرأي العام. وتشير معطيات متداولة بين المهنيين إلى احتمال قيام بعض الوسطاء بدعم صفحات على موقع Facebook من أجل الترويج لخطاب يُمهّد لارتفاع أسعار الأضاحي قبل فترة من حلول عيد الأضحى. ويهدف هذا النوع من الحملات، بحسب متابعين، إلى خلق انطباع عام بوجود ندرة أو ارتفاع حتمي في الأسعار، وهو ما قد يؤثر نفسياً على المستهلكين ويدفع السوق نحو زيادات مبكرة.
وبين الجدل السياسي والاقتصادي الدائر، يبقى الرأي العام المغربي في انتظار نتائج هذه المهمة الاستطلاعية، التي يُعوّل عليها في كشف حقيقة تدبير الدعم العمومي، وتحديد مكامن الخلل المحتملة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويضمن توجيه المال العام لخدمة التنمية وتحسين أوضاع المواطنين.
Share this content:



إرسال التعليق