جدل تواصلي يرافق مواجهة إعلامية بين شاب سياسي ونبيل بنعبد الله… بين رهانات التأطير وحدود الأداء
عبد اللطيف سحنون
أثارت إحدى الحلقات الإعلامية التي جمعت بين شاب فاعل في الساحة السياسية ونبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسمت الآراء بين منتقد لأسلوب التدخل، ومدافع عن حق الشباب في التعبير والمساءلة.
وتداول عدد من رواد مواقع التواصل مقاطع من الحلقة، عبّروا من خلالها عن ملاحظاتهم بشأن طريقة إدارة النقاش، معتبرين أن بعض المداخلات افتقرت إلى العمق السياسي المطلوب، وغلب عليها الطابع الانفعالي، وهو ما أثّر – حسب تعبيرهم – على جودة الحوار ومستواه.في المقابل، دافع آخرون عن مشاركة الشباب في مثل هذه البرامج، معتبرين أن إتاحة الفرصة لوجوه جديدة في النقاش العمومي أمر ضروري لتجديد النخب السياسية، حتى وإن شابت التجربة بعض الهفوات المرتبطة بقلة الخبرة أو محدودية الاحتكاك.
غير أن هذا التفاعل لا يمكن فصله عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة الخطاب السياسي لدى بعض الفاعلين الشباب، حيث يلاحظ متتبعون أن جزءاً من هذا الخطاب ما يزال أسير المقاربة الانفعالية، مقابل ضعف في البناء الحجاجي واستحضار المعطيات الدقيقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة آليات التأطير الحزبي ومدى قدرتها على إنتاج كفاءات قادرة على خوض نقاشات عمومية رصينة.وفي هذا الإطار، يرى محللون أن المواجهات الإعلامية من هذا النوع لا تختبر فقط قدرة الأفراد على النقاش، بل تكشف أيضاً عن مستوى التكوين داخل التنظيمات السياسية، خاصة في ما يتعلق بثقافة الاختلاف، وضبط النفس، وتدبير الزمن الإعلامي، وهي عناصر أساسية في أي أداء سياسي ناضج.
كما أعاد هذا الجدل إلى الواجهة مسألة الفرق بين “الجرأة السياسية” و“الاندفاع غير المؤطر”، حيث أن الجرأة، في بعدها الإيجابي، تقوم على مساءلة قوية مبنية على معطيات دقيقة، بينما يتحول الاندفاع، في غياب التأطير، إلى عنصر يضعف الخطاب بدل أن يقويه، ويؤثر سلباً على صورة المتدخل أمام الرأي العام.ومن زاوية أخرى، يبرز هذا النقاش التحدي المرتبط بانتقال الخطاب السياسي من الفضاءات الحزبية الداخلية إلى المنابر الإعلامية المفتوحة، حيث تختلف قواعد الاشتغال، ويصبح المتلقي أكثر تنوعاً وصرامة في التقييم، ما يستدعي مستوى أعلى من الجاهزية والاحترافية.
كما أن المقارنة التي يتم تداولها بين أداء شبيبات حزبية مختلفة تعكس، في العمق، رهانات متباينة في مجال التكوين السياسي، إذ يرى بعض المتابعين أن الاستثمار في التأطير الفكري والتواصلي يظل عاملاً حاسماً في إبراز كفاءات قادرة على تمثيل أحزابها بشكل متوازن، بعيداً عن السقوط في الشعبوية أو التبسيط المخل.وفي هذا السياق، برزت دعوات إلى تعزيز آليات التكوين والتأهيل داخل مختلف الشبيبات الحزبية، بما يضمن إعداد جيل قادر على خوض نقاشات عمومية رصينة، قائمة على الحجة والاحترام المتبادل، بما يخدم صورة العمل السياسي ويعزز ثقة المواطن في الفاعلين.
ولا يمكن إغفال مسؤولية البرامج الإعلامية نفسها، التي تجد نفسها أمام معادلة دقيقة بين البحث عن الإثارة ورفع نسب المشاهدة، وبين الحفاظ على مستوى نقاش يرقى لتطلعات الجمهور، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع سياسية تستدعي قدراً عالياً من الجدية والاتزان.
وتبقى مثل هذه المواجهات الإعلامية، رغم ما تثيره من جدل، فرصة مهمة لتقييم الأداء السياسي والتواصلي لمختلف الفاعلين، وفتح نقاش أوسع حول سبل تطوير الخطاب السياسي في المغرب، بما ينسجم مع تحولات المجتمع وانتظاراته المتزايدة.
Share this content:



إرسال التعليق