حين يتقدم الواجب ويتراجع الامتياز: الدرك الملكي في الميدان وغياب المسؤولين وقت الشدة

حين يتقدم الواجب ويتراجع الامتياز: الدرك الملكي في الميدان وغياب المسؤولين وقت الشدة

كريمة دهناني

خلال فترات الكوارث الطبيعية، من فيضانات عارمة، وتساقطات مطرية غزيرة، ومحاصرة مناطق كاملة بالثلوج والمياه، يبرز معدن الرجال الحقيقيين، أولئك الذين يجعلون من الواجب أولوية، ومن حياة المواطنين خطًا أحمر لا يُساوَم عليه. في هذه اللحظات العصيبة، كان جهاز الدرك الملكي، إلى جانب القوات الأمنية الموازية، حاضرًا في الصفوف الأمامية، على أهبة الاستعداد، ساهرًا ليلاً ونهارًا، همه الوحيد حماية الأرواح وضمان سلامة المواطنين.
هي تضحيات صامتة، لا تُلتقط لها الصور ولا تُروَّج في البلاغات، ولا يعرف معناها إلا من عاش لحظة الخطر وعاين قيمة الخدمة في أقسى الظروف. كل دقيقة يقضيها هؤلاء بعيدًا عن عائلاتهم هي ثمن يدفعونه عن قناعة، إيمانًا منهم بأن الوطن يُخدم بالفعل لا بالخطاب.
وهو المشهد نفسه الذي تكرر في ليلة حلول رأس السنة الميلادية، حيث ظل رجال الدرك والقوات الأمنية في مواقعهم، مراقبين، حارسين، ومتدخلين عند الحاجة، لتأمين المواطنين والممتلكات، في وقت اختار فيه عدد من وزراء الحكومة الحالية الابتعاد عن مسؤولياتهم، ومغادرة أرض الوطن رفقة عائلاتهم، قصد قضاء عطلة رأس السنة في الديار الأوروبية أو بجبال الألب، بعيدًا عن هموم المواطنين، وعن كوارث حقيقية عاشتها مناطق مثل آسفي وغيرها.
هنا يبرز الفرق الصارخ بين من يقدم حياته ووقته من أجل الآخرين، ومن يضع الراحة والمتعة فوق الواجب والمسؤولية. فالوطن لا يُصان بالشعارات الرنانة، ولا بالمهرجانات الانتخابية المتنقلة، ولا بتدوير الخطاب السياسي أو تأليف كتيبات تحمل عناوين براقة من قبيل “مسار إنجازات”، بل يُحفظ بالحضور في الميدان، وبالوقوف المباشر إلى جانب المواطن في لحظات الخطر والشدّة.
لقد أثبت رجال الدرك الملكي والقوات الأمنية الموازية، مرة أخرى، أنهم في مستوى الثقة، يؤدون واجبهم دون تردد، ودون انتظار كلمة شكر أو مقابل. وفي المقابل، فإن التاريخ لا يرحم، ولن ينسى من اختار الغياب والتخلي عن آلام المواطنين في وقت الحاجة، مقابل احتفالات موسمية عابرة.
من ضحّى سيظل اسمه محفورًا في ذاكرة الوطن مثالًا للوفاء الحقيقي، ومن ابتعد وتخلّى، فلن يجد له مكانًا سوى في هوامش النسيان، حيث تُطوى الصفحات التي لم تُكتب بالفعل والمسؤولية.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء