يام الخير… حين تتحول أمطار الرحمة إلى شرارة صراعات حول الأراضي الفلاحية بالبادية

يام الخير… حين تتحول أمطار الرحمة إلى شرارة صراعات حول الأراضي الفلاحية بالبادية

بقلم كريمة دهناني


مع كل موسم من مواسم “أيام الخير”، حيث تتساقط الأمطار وتنبعث الحياة من جديد في الحقول والمراعي، تشهد عدد من المناطق القروية ببلادنا تصاعدًا مقلقًا في الصراعات المرتبطة بحدود الأراضي الفلاحية، وهي نزاعات قديمة متجددة، تعود إلى السطح كلما عادت الأرض للإنتاج وارتفعت قيمتها.
ففي البادية، لا تمثل الأرض مجرد ملكية عقارية، بل هي مصدر عيش، ورمز للانتماء العائلي، وامتداد لذاكرة جماعية تناقلتها الأجيال. ومع تحسن الموسم الفلاحي، تشتد حدة التنافس حول استغلال القطع الأرضية، خصوصًا تلك التي تعاني من غموض في التحديد أو غياب وثائق تحفيظ واضحة، ما يفتح الباب أمام تأويلات متضاربة وحدود غير متفق عليها.
وتسجل هذه الفترات بالذات ارتفاعًا في عدد الشكايات والمحاضر المنجزة من طرف عناصر الدرك الملكي، التي لا يظهر حضورها المكثف في هذا النوع من القضايا إلا خلال “أيام الخير”، حين تتحول الخلافات الكامنة إلى مواجهات مباشرة بين الجيران أو أفراد من نفس العائلة. نزاعات تبدأ أحيانًا بخط محراث تجاوز حدًا غير مرسوم، أو استغلال قطعة أرضية متنازع حولها، لتتطور لاحقًا إلى تبادل للاتهامات، وقطع للعلاقات العائلية، بل وأحيانًا إلى أفعال خطيرة كإحراق المحاصيل أو تخريب الأراضي.
ويرى متتبعون للشأن القروي أن هذه الصراعات تعكس هشاشة المنظومة العقارية بالبادية، حيث لا يزال الاعتماد قائمًا على الأعراف والتحديدات التقليدية، في ظل ضعف وتيرة التحفيظ العقاري، وغياب الوساطة المحلية القادرة على احتواء النزاعات قبل وصولها إلى مكاتب الدرك والمحاكم.
كما تبرز في هذا السياق مسؤولية جماعية، تتقاسمها الأسر، والمنتخبون المحليون، والسلطات المعنية، في نشر ثقافة الحوار، وتشجيع التسوية الودية، وتسريع مساطر التحفيظ، تفاديًا لتحول نعمة المطر إلى نقمة اجتماعية تهدد السلم القروي.
وأمام تكرار هذه المشاهد كل موسم فلاحي واعد، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى ستظل “أيام الخير” موسما للازدهار الزراعي من جهة، وموسمًا لتفجير صراعات الأرض من جهة أخرى؟ وهل آن الأوان لمعالجة جذرية لملف العقار القروي، بما يحفظ الحقوق ويصون الروابط العائلية التي تشكل عماد المجتمع القروي؟

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء