مسرحية «الزروالي»… حين يتحوّل المسرح إلى ذاكرة مقاومة وضمير وطني حي
عبد اللطيف سحنون مراكش
تقدّم جمعية ركح للثقافة والفنون بمراكش عملًا مسرحيًا جديدًا بعنوان «الزروالي»، يندرج ضمن المسرح الذاكرتي الذي يستحضر محطات مفصلية من تاريخ الكفاح الوطني المغربي، ويعيد مساءلة معنى المقاومة بوصفها فعلًا إنسانيًا وأخلاقيًا يتجاوز حدود الزمن والحدث.المسرحية، المستلهمة رمزيًا من سيرة الشهيد علال بن عبد الله، لا تسعى إلى تقديم سرد تاريخي تقليدي، بقدر ما تراهن على تحويل الشخصية إلى رمز مكثف للمقاوم المغربي، ذاك الإنسان البسيط في هيئته، العميق في وعيه، الذي اختار مواجهة الاستعمار انطلاقًا من إحساسه بالكرامة والانتماء، لا من نزعة بطولية خطابية أو استعراضية.ويُبرز العمل المسرحي المقاومة باعتبارها مسارًا تراكميًا، واختيارًا يوميًا محفوفًا بالصمت والخطر، حيث تتشكّل لحظة الاستشهاد كذروة طبيعية لمسار طويل من الوعي والتضحية، لا كنهاية مأساوية، بل كبداية رمزية لمعنى الحرية والانعتاق الجماعي.في مقابل هذا المسار النبيل، تضع المسرحية المتلقي أمام الوجه الآخر للصراع، من خلال إبراز ظاهرة الخيانة والارتباط بالمستعمر، باعتبارها عاملًا مضاعفًا لقسوة المواجهة، وجرحًا داخليًا عمّق عزلة المقاوم وزاد من ثقل اختياره. غير أن هذا السواد يقابله حضور لافت لقيم التضامن الشعبي والوفاء الصامت، تلك القيم التي غالبًا ما تصنع التحولات الكبرى بعيدًا عن الأضواء.وتولي المسرحية اهتمامًا خاصًا لدور المرأة، من خلال شخصية زوجة الزروالي، التي تُقدَّم كنموذج للمرأة المغربية الشريكة في النضال، حيث يتحول الحب إلى فعل وعي، والصبر إلى موقف، والتضحية إلى سند معنوي يعزّز الخيار الوطني بدل أن يقف عائقًا أمامه.فنيًا، يقدّم العمل قراءة مسرحية متكاملة في العلاقة بين الفرد والوطن، وفي معنى الشهادة كفعل يتجاوز الموت نحو الخلود الرمزي، مؤكدًا أن الاستقلال لم يكن وليد الصدفة أو منحة تاريخية، بل ثمرة وعي جماعي ودماء سالت دفاعًا عن الكرامة والسيادة.ويقف خلف هذا العمل فريق فني متجانس، تولّى فيه الفنان إسماعيل العلوي مهام التأليف والإخراج وتصميم السينوغرافيا، إلى جانب مشاركته في التشخيص رفقة كل من خديجة الحويدك، سفيان تسوكو، وفيصل كبول. كما ساهمت سعيدة الحويدك في إغناء العرض بالأداء الغنائي، فيما أشرف على تقنيات الصوت إيمان لعقاق وأنس بوجا، وعلى الإضاءة مصطفى داودة، وعلى المكياج إسماعيل الوافي.وعلى المستوى التنظيمي، تولّت سليمة بن حمان مهمة المحافظة العامة، وأشرفت فتيحة أوعطا على العلاقات العامة، بينما تكفّل اليزيد الفحل بالإعلام والتواصل. أما إدارة الإنتاج فكانت من توقيع خديجة الحويدك، في حين أسندت إدارة الفرقة إلى سعد محمد الخِبري.بهذا العمل، تؤكد مسرحية «الزروالي» أن الخشبة تظل فضاءً حيًا لاستحضار الذاكرة الوطنية، وأن المسرح، حين يخلص لقضاياه، يصبح فعل مقاومة ثقافية ووسيلة لتجديد الوعي الجماعي، وربط الحاضر بتضحيات الماضي.
Share this content:



إرسال التعليق