حين يتراجع البريق المالي… التجمع الوطني للأحرار أمام اختبار الصمود التنظيمي
كريمة دهناني
تتجه الأنظار داخل المشهد الحزبي المغربي إلى ما يعيشه حزب التجمع الوطني للأحرار من تحولات لافتة، توحي بدخول التنظيم مرحلة غير مسبوقة، عنوانها الأبرز إعادة التكيّف مع واقع مالي أكثر تحفظًا. فالحزب الذي اعتاد حضوره القوي من حيث التنظيم واللوجستيك، يبدو اليوم مطالبًا بإعادة ترتيب أوراقه بعيدًا عن مناخ الوفرة الذي طبع مراحل سابقة من مساره.
هذا التحول بدأ ينعكس بشكل ملموس على دينامية الحزب وأنشطته الميدانية. فقد لوحظ، خلال عدد من اللقاءات والمحطات التنظيمية الأخيرة، تراجع في مظاهر التعبئة المعتادة، سواء على مستوى التنقلات الجماعية أو حجم التنظيم المصاحب للتظاهرات الحزبية. مشاهد فسّرها متابعون بكونها مؤشرات على نهاية مرحلة وبداية أخرى، قوامها الاعتماد على الإمكانيات الذاتية بدل الدعم الواسع.
وشكّل المؤتمر الاستثنائي المنعقد بمدينة الجديدة محطة دالة في هذا السياق، حيث طغى على أجوائه حضور متفاوت من حيث العدد والحيوية التنظيمية، مقارنة بما كان يميّز مؤتمرات الحزب سابقًا. هذا المعطى أعاد إلى الواجهة نقاشًا حساسًا حول طبيعة الالتزام الحزبي، ومدى ارتباطه بالحوافز المادية مقابل القناعة السياسية والعمل التطوعي.
التحول الجاري لا يقتصر على الجوانب المالية واللوجستيكية فحسب، بل يلامس عمق البناء التنظيمي للحزب. فمرحلة التقشف النسبي تفرض على الأطر والمنتخبين اجتهادًا أكبر في التأطير والتعبئة، كما تضع القيادة أمام ضرورة ابتكار آليات جديدة لضمان الاستمرارية والحضور الميداني. وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة داخلية تعزز الاستقلالية، أو يكشف في المقابل عن اختلالات ظلت مستترة في زمن الإمكانات الواسعة.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح مراقبون تساؤلًا محوريًا حول مستقبل الحزب: هل سيتمكن التجمع الوطني للأحرار من تحويل هذا الظرف إلى فرصة لبناء نموذج حزبي قائم على المبادرة الذاتية والانخراط الحقيقي للمناضلين، أم أن تراجع الموارد سيؤثر سلبًا على قوته التنظيمية وحضوره السياسي؟
ما يعيشه الحزب اليوم يتجاوز كونه أزمة موارد أو مرحلة عابرة، ليشكل امتحانًا سياسيًا وتنظيميًا حقيقيًا بين منطقين مختلفين: منطق القوة المدعومة بالإمكانات، ومنطق الاستمرارية المبنية على القناعة والالتزام. وبين هذين الخيارين، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة لحزب الحمامة في الساحة السياسية الوطنية.
Share this content:



إرسال التعليق