قضية الطراكس وهبة.. حين تتكاثر المنابر ويصبح الجدل صناعة، من يدافع عن كرامة سيدي يوسف بن علي؟
بقلم: كريمة دهناني
لم تعد قضية الشيخة الطراكس وهبة مجرد واقعة يتابعها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى موضوع تتقاطع فيه أسئلة الإعلام والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، وحدود التغطية الصحفية حين تتداخل الخلافات الشخصية مع كرامة جماعة من المواطنين وانتمائهم المجالي.
ومع اتساع دائرة تداول القضية، يبرز سؤال يتجاوز تفاصيلها وأطرافها: هل ساهم تعدد المنابر الإعلامية في تنوير الرأي العام، أم أن تكرار المحتوى وتضخيم الجدل جعلا القضية تتمدد خارج حدودها الأصلية؟
السؤال لا يستهدف حق الصحافة في التغطية، ولا يصادر حق الجمهور في المعرفة، وإنما يضع أمامنا ضرورة التمييز بين إعلام يشرح الوقائع، وإعلام يكتفي بإعادة تدويرها، وبين تغطية تبحث عن الحقيقة وأخرى قد تجد في استمرار الجدل فرصة لاستقطاب مزيد من المشاهدات.
ففي البيئة الرقمية الحالية، أصبحت القضايا المثيرة قادرة على الانتشار بسرعة كبيرة، خصوصاً عندما ترتبط بأسماء معروفة أو بتصريحات صادمة أو بخلافات تستقطب ردود فعل متباينة.
وفي مثل هذه الحالات، تتنافس صفحات ومنابر مختلفة على نشر المستجدات، وتتحول التصريحات والتسجيلات والتعليقات إلى مواد قابلة لإعادة النشر والتأويل. وقد تكون بعض هذه التغطيات ضرورية لإخبار الجمهور، بينما لا تضيف أخرى سوى إعادة إنتاج ما سبق نشره.
هنا تكمن المفارقة: فكلما ازداد حجم المحتوى المتداول، ليس بالضرورة أن يزداد وضوح الحقيقة. بل قد يجد المتلقي نفسه أمام سيل من الروايات المتضاربة، يصعب معه التمييز بين المعلومة المؤكدة والادعاء والتأويل.
إن تعدد المنابر في حد ذاته مكسب للتعددية الإعلامية، لكنه يفقد جزءاً من قيمته عندما يتحول إلى سباق في إعادة النشر، دون تحقق مستقل أو إضافة صحفية حقيقية.
فالمشكلة ليست أن تتحدث الصحافة عن القضية، بل أن يصبح الحديث عنها غاية في حد ذاته، بدل أن يكون وسيلة لفهمها.
واكتسبت القضية حساسية إضافية عندما يُربط النقاش بتصريحات يُنظر إليها باعتبارها مسيئة إلى سكان سيدي يوسف بن علي بمراكش.
فالحي ليس مجرد مجال جغرافي، ولا اسماً عابراً في سجال رقمي؛ إنه فضاء اجتماعي له تاريخه وخصوصيته، ويعيش فيه مواطنون لا ينبغي اختزالهم في خلاف شخصي أو صورة نمطية.
ومن الطبيعي أن يشعر السكان بالاستياء إذا اعتبروا أن كرامتهم تعرضت للإهانة. ومن حقهم التعبير عن رفضهم بالوسائل المشروعة، والمطالبة باحترامهم دون انتقاص أو تمييز.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذا الشعور المشروع إلى مادة للتعبئة المستمرة، أو عندما يُعاد نشر العبارات المثيرة للجدل على نطاق واسع تحت عنوان الرد عليها، بما قد يمنحها انتشاراً أكبر.
وقد تتحول بعض التغطيات، حتى عندما تعلن الدفاع عن الساكنة، إلى جزء من دورة إعادة إنتاج الإساءة، إذا لم تميز بين نقل ما يخدم المصلحة العامة وبين تكرار المحتوى المثير دون ضرورة.
وهنا يطرح سؤال مهني وأخلاقي: هل تقاس قوة الدفاع عن كرامة حيّ ما بحجم الضجيج الذي يصنعه، أم بقدرته على تحويل النقاش إلى مطالبة واعية بالاحترام والإنصاف؟
إن كرامة سيدي يوسف بن علي لا تحتاج إلى حملات موسمية مرتبطة بفضيحة، بل إلى خطاب يحترم سكانه باستمرار، ويعطي قضاياهم الاجتماعية والتنموية المكانة التي تستحقها.
ومع ذلك، فإن هذه القضية تتيح مساءلة ممارسات إعلامية أصبحت شائعة في الفضاء الرقمي: العناوين المبالغ فيها، وتكرار الاتهامات قبل التحقق منها، واقتطاع التصريحات من سياقها، وتقديم الروايات المتنازع عليها كما لو كانت حقائق محسومة.
عندما يحدث ذلك، لا يعود المنبر مجرد ناقل محايد للمعلومات، بل قد يصبح عاملاً في توسيع دائرة النزاع وتأجيج ردود الفعل، حتى من دون أن يقصد ذلك.
وتزداد خطورة الأمر حين تتداخل التغطية الصحفية مع التعليقات الشخصية، فيختلط الخبر بالرأي، والتحليل بالإدانة، والمطالبة بالمحاسبة بالتشهير.
إن المسؤولية المهنية لا تقتضي تجاهل القضايا التي تهم الرأي العام، وإنما تقتضي التحقق من المعلومات، ونسبة التصريحات إلى مصادرها، وتمكين الأطراف المعنية من عرض مواقفها، واحترام قرينة البراءة، والامتناع عن تحويل الحياة الخاصة إلى فرجة مجانية.
حين تختار الجريدة ألا تنشر.. هل يصبح الصمت موقفاً؟
في خضم هذا الجدل، اخترتُ، بصفتي مسؤولة عن جريدة «أصوات كم» والمنتمية إلى سيدي يوسف بن علي، ألا أتناول القضية ضمن مواد الجريدة.
ولم يكن هذا الاختيار إعلاناً عن موقف من أي طرف، ولا إنكاراً لحق الساكنة في الدفاع عن كرامتها، بل قراراً تحريرياً ينبغي تقييمه في ضوء المعايير التي أؤمن بها في العمل الصحفي: ما القيمة التي ستضيفها المادة؟ وما الذي سيستفيده القارئ من نشرها؟ وهل ستقدم معلومات جديدة وموثوقة، أم ستعيد إنتاج جدل قائم بالفعل؟
إن المؤسسة الإعلامية لا تفقد استقلاليتها لأنها لم تتناول كل موضوع رائج، كما أن تناول قضية مثيرة لا يجعل المنبر بالضرورة باحثاً عن الإثارة. فالمعيار الحقيقي يكمن في جودة المعالجة وهدفها ومدى احترامها لأخلاقيات المهنة.
لكن من المهم أيضاً ألا يتحول عدم النشر إلى قاعدة مطلقة لتجنب الموضوعات الحساسة؛ فقد تكون التغطية ضرورية عندما يتعلق الأمر بانتهاك حقوق، أو بمعلومة موثوقة ذات مصلحة عامة، أو بتوضيح وقائع يجري تداولها على نحو مضلل.
لذلك، فإن القرار التحريري المسؤول ليس النشر دائماً ولا الامتناع دائماً، وإنما القدرة على اتخاذ القرار المناسب وفق طبيعة الموضوع والأدلة المتاحة والقيمة العامة للتغطية.
القضاء ليس امتداداً لمحكمة مواقع التواصل
في القضايا التي تتضمن شكايات واتهامات متبادلة، ينبغي ألا تتحول المنابر الإعلامية إلى محاكم موازية تصدر الأحكام قبل استكمال المساطر القانونية.
فالتداول الواسع للاتهامات لا يجعلها ثابتة، والمتابعة في حالة اعتقال لا تعني صدور حكم نهائي بالإدانة.
ومن واجب الإعلام أن يوضح ما هو مؤكد، وما هو منسوب إلى طرف معين، وما لا يزال محل بحث قضائي. كما أن احترام حقوق الأشخاص لا يتعارض مع حق المجتمع في المعرفة، بل يشكل أحد شروط الممارسة الصحفية المسؤولة.
إن العدالة لا تتحقق بكثرة التعليقات، ولا بقوة الحملات الرقمية، وإنما بفحص الأدلة وتطبيق القانون وضمان حقوق الدفاع.
وفي المقابل، لا ينبغي اتخاذ قرينة البراءة ذريعة لمنع النقاش المشروع حول مسؤولية الخطاب العام، أو حول الأثر الذي قد تتركه التصريحات المتداولة على الأفراد والجماعات.
ما الذي كان ينبغي أن تكشفه هذه القضية؟
ربما يكون السؤال الأهم ليس كم من منبر نشر الخبر، ولا كم حقق من المشاهدات، بل ما الذي أضافته هذه التغطيات إلى فهم المجتمع للقضية؟
هل ساعدت الجمهور على التمييز بين الوقائع والادعاءات؟ هل منحت الأطراف حق الرد؟ هل ناقشت حدود حرية التعبير ومسؤولية النشر؟ وهل فصلت بين الدفاع عن كرامة السكان وبين توظيف غضبهم في سجالات رقمية؟
هذه الأسئلة هي التي تمنح النقد الإعلامي معناه، بعيداً عن التعميم أو التشكيك المجاني في نيات الصحفيين.
كما أن القضية تذكرنا بأن الأحياء الشعبية لا ينبغي أن تحظى بالاهتمام فقط عندما ترتبط أسماؤها بالأزمات. فسكان سيدي يوسف بن علي وغيرهم من سكان الأحياء الشعبية يستحقون حضوراً إعلامياً مستمراً يتناول انشغالاتهم، وفرص الشباب، والتعليم، والصحة، والنقل، والعدالة المجالية، والمبادرات التي تستحق التثمين.
إن تحويل الاهتمام العابر إلى نقاش جاد حول هذه القضايا سيكون مكسباً حقيقياً يتجاوز عمر أي جدل رقمي.
خاتمة: الصحافة التي تضيف لا التي تكرر
لا يمكن القول إن كثرة المنابر هي التي صنعت هذه القضية أو أنها أثرت في مسارها القضائي من دون أدلة واضحة. لكن يمكن القول إن طريقة تداول أي قضية قادرة على توسيع آثارها الاجتماعية، وإن إعادة نشر المحتوى المثير بلا تحقق أو قيمة مضافة قد تزيد الالتباس وتطيل عمر النزاع في الفضاء العام.
أما تعدد المنابر، فينبغي أن يكون فرصة لتعدد زوايا المعالجة، وتعميق النقاش، ومراقبة الوقائع، لا مجرد تكرار للعناوين نفسها.
وبالنسبة إليّ، فإن عدم تناول القضية في «أصوات كم» لا يعني التنصل من الانتماء إلى سيدي يوسف بن علي، ولا التخلي عن كرامة سكانه، بل يعكس اختياري ألا أتعامل مع كل حدث مثير باعتباره مادة صحفية واجبة النشر.
فالانتماء لا يُقاس بعدد المقالات التي نكتبها عن كل أزمة، والمهنية لا تُقاس بعدد القضايا التي نلحق بها، بل بقدرتنا على التمييز بين ما يستحق النشر وما يستحق التريث، وبين الدفاع عن كرامة الناس وتحويل غضبهم إلى مادة للاستهلاك.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر أسرع من التحقق منها، يبقى التحدي الحقيقي أمام الصحافة هو أن تحافظ على دورها في التنوير، وأن تمنح المجتمع معرفة أعمق لا ضجيجاً أكبر.
فحين تتكاثر المنابر، لا ينبغي أن تضيع الحقيقة بينها؛ وحين يرتفع صوت الجدل، تظل مسؤولية الصحافة أن تبحث عما وراءه، لا أن تكتفي بترديده.
Share this content:



إرسال التعليق