الرحامنة.. من المعقل الأول لـ«البام» إلى رهان التنمية: هل تحولت القلعة السياسية إلى نموذج تنموي وطني؟

الرحامنة.. من المعقل الأول لـ«البام» إلى رهان التنمية: هل تحولت القلعة السياسية إلى نموذج تنموي وطني؟

كريمة دهناني

قراءة في مسار التنمية في الرحامنة

ليست الرحامنة مجرد إقليم ارتبط اسمه تاريخياً بحزب الأصالة والمعاصرة، ولا مجرد محطة انتخابية يحضر فيها لون «الجرار» بقوة؛ إنها فضاء تتقاطع فيه الرمزية السياسية مع رهانات التنمية، وتُختبر فيه قدرة الفاعل الحزبي على تحويل النفوذ السياسي إلى مشاريع ملموسة وأثر مباشر في حياة المواطنين.

ومنذ بروز حزب الأصالة والمعاصرة، ارتبط اسمه بقوة بإقليم الرحامنة، باعتباره أحد أبرز معاقله التاريخية، كما ارتبطت نشأته السياسية باسم فؤاد عالي الهمة، الذي انتقل لاحقاً إلى مهام استشارية لدى الملك محمد السادس. غير أن استحضار هذا الامتداد السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استعراض للأسماء والرموز، بل إلى مدخل لطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا قدم هذا الرصيد السياسي للرحامنة؟ وإلى أي حد انعكس على واقعها الاقتصادي والاجتماعي؟

بن جرير.. حين تصبح التنمية أكبر من الشعارات

إذا كان هناك عنوان بارز للتحولات التي عرفتها الرحامنة خلال السنوات الأخيرة، فإنه يتمثل في مدينة ابن جرير، التي تجاوزت تدريجياً صورتها التقليدية كمدينة ذات امتداد فلاحي، لتدخل مرحلة جديدة من خلال مشاريع مرتبطة بالمعرفة والابتكار والاستدامة.

وتبرز جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية باعتبارها أحد أهم معالم هذا التحول، إذ وضعت ابن جرير على خريطة البحث العلمي والتكوين والابتكار، واستقطبت اهتماماً وطنياً ودولياً، وأسهمت في بناء صورة جديدة للمدينة باعتبارها فضاءً للمعرفة والاستثمار في الكفاءات.

كما شكل مشروع المدينة الخضراء محمد السادس، إلى جانب المبادرات المرتبطة بالبيئة والتعمير، جزءاً من تصور عمراني يروم إعادة تشكيل المشهد الحضري لابن جرير، وربط التنمية بمفاهيم الاستدامة وجودة الحياة.

لكن أهمية هذه المشاريع لا تكمن فقط في حجمها أو في حضورها الإعلامي، بل في قدرتها على خلق فرص الشغل، وتحريك الاقتصاد المحلي، وفتح آفاق حقيقية أمام شباب الإقليم. وهنا تحديداً ينبغي قياس النجاح: ليس بما شُيّد من بنايات، وإنما بما أحدثه من تغيير في حياة الناس.

«البام» أمام اختبار الأثر الاجتماعي

ارتبط حزب الأصالة والمعاصرة، بحكم حضوره السياسي في الرحامنة، بمسار عدد من الأوراش التنموية التي عرفتها المنطقة. غير أن الإنصاف في تقييم هذا المسار يقتضي التمييز بين المشاريع التي أطلقتها مؤسسات الدولة، والمبادرات التي ساهمت فيها الجماعات الترابية، والجهود التي واكبها أو ترافع بشأنها المنتخبون والفاعلون الحزبيون.

فالمشاريع الكبرى لا تُنجز بقرار حزبي منفرد، بل تتداخل فيها أدوار الدولة والقطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية والقطاع الخاص. ومن ثم، فإن القيمة السياسية الحقيقية لأي حزب تكمن في قدرته على الترافع، واستثمار حضوره المؤسساتي، وضمان وصول ثمار التنمية إلى مختلف الفئات والمجالات.

وفي هذا السياق، يظل التكوين المهني وتأهيل الشباب مدخلاً أساسياً لربط الاستثمار الاقتصادي بالتنمية الاجتماعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتخصصات حديثة مثل البرمجة والسمعي البصري والبناء المستدام. فالمطلوب ليس فقط إحداث مراكز للتكوين، بل ضمان جودة التكوين، وملاءمته لحاجيات سوق الشغل، وتمكين أبناء الرحامنة من الاستفادة الفعلية من الفرص التي تتيحها المشاريع الجديدة.

الجامعة والمجال الترابي.. من التميز الأكاديمي إلى خدمة الساكنة

إن وجود مؤسسة جامعية بمستوى جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية يمنح الرحامنة فرصة استثنائية لتطوير نموذج تنموي لا يقتصر على التكوين والبحث العلمي، بل يمتد إلى دعم المقاولات الصغرى، وتحفيز الابتكار، وتطوير المبادرات الاجتماعية والبيئية.

وتكتسب الشراكات بين المؤسسات الجامعية والسلطات الترابية أهمية خاصة عندما تترجم إلى برامج عملية تستجيب لحاجيات المواطنين في الصحة والتعليم والتشغيل والثقافة والبيئة.

غير أن الرهان الحقيقي يظل في استدامة هذه المبادرات، وتوسيع دائرة المستفيدين منها، وضمان ألا تبقى ثمار المعرفة والابتكار محصورة في المؤسسات الكبرى، بينما تستمر بعض الدواوير والمناطق القروية في مواجهة تحديات البنية التحتية والنقل والخدمات الأساسية.

الرحامنة القروية.. الوجه الآخر للتنمية

لا يمكن الحديث عن نجاح تنموي مكتمل في الرحامنة من دون التوقف عند العالم القروي، حيث تتطلع الساكنة إلى طرق جيدة، وماء كافٍ، وخدمات صحية وتعليمية قريبة، وفرص اقتصادية تقلص الهشاشة وتحد من الهجرة نحو المدن.

فإذا كانت ابن جرير قد أصبحت واجهة لمشاريع المعرفة والابتكار، فإن قوة النموذج التنموي ستُقاس أيضاً بمدى انعكاس هذا التحول على الدواوير والجماعات القروية، وبقدرة السياسات العمومية على تقليص الفوارق المجالية.

وهنا تبرز مسؤولية مختلف الفاعلين، وفي مقدمتهم المنتخبون الذين راكموا حضوراً سياسياً داخل الإقليم، في جعل التنمية أكثر عدالة وشمولاً، حتى لا تتحول المشاريع الكبرى إلى جزر من التميز وسط مجالات ما زالت تنتظر نصيبها من التأهيل والاستثمار.

فاطمة الزهراء المنصوري.. بين الإرث السياسي ورهانات المستقبل

مع استمرار حضور حزب الأصالة والمعاصرة في المشهد الوطني، تبرز قيادة فاطمة الزهراء المنصوري باعتبارها إحدى الواجهات السياسية البارزة للحزب، في مرحلة تتزايد فيها انتظارات المواطنين بشأن التشغيل والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية.

وتفرض هذه المرحلة على الحزب، كما على باقي القوى السياسية، الانتقال من استثمار الرصيد التاريخي إلى تقديم حصيلة قابلة للقياس، وبرامج واضحة، والتزامات يمكن تقييم نتائجها على أرض الواقع.

فالتحدي لم يعد مجرد الحفاظ على النفوذ الانتخابي داخل معقل تاريخي، وإنما تجديد الثقة عبر الاستجابة للمطالب اليومية للمواطنين، وربط الوعود السياسية بمؤشرات ملموسة في مجالات الشغل والتعليم والصحة والبنيات التحتية.

الخلاصة.. هل تصنع المشاريع نموذجاً تنموياً؟

تملك الرحامنة اليوم مؤهلات مهمة تجعلها مجالاً قابلاً لبناء تجربة تنموية متميزة، من الجامعة إلى المشاريع الحضرية، ومن التكوين إلى فرص الاستثمار. كما أن الارتباط التاريخي للإقليم بحزب الأصالة والمعاصرة يمنح هذا الأخير مسؤولية سياسية مضاعفة في تفسير ما تحقق، والاعتراف بما لا يزال ينتظر الإنجاز.

لكن التنمية ليست رواية حزبية جاهزة، ولا يمكن اختزالها في مشروع واحد أو مؤسسة واحدة أو مرحلة سياسية بعينها. إنها حصيلة عمل مؤسسات متعددة، ونتيجة اختيارات عمومية، وتُقاس في نهاية المطاف بمدى تحسن حياة المواطنين.

فالرحامنة قد تكون منطلقاً بارزاً في المسار السياسي لـ«البام»، لكن المحافظة على مكانتها لن تتحقق بالذاكرة السياسية وحدها؛ بل بقدرة الحاضر على إنتاج فرص الشغل، وتحقيق الإنصاف المجالي، وضمان استفادة الساكنة من ثمار المشاريع الكبرى.

ذلك هو الامتحان الحقيقي لأي تجربة سياسية تدّعي صناعة نموذج تنموي: أن تتحول المشاريع من صور في الذاكرة إلى مكتسبات يومية، وأن يصبح المواطن، لا الحزب، هو المستفيد الأول من التنمية.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء