حين يُهاجَم التنظيم… لأن المعايير ارتفعت أكثر من اللازم
كريمة دهناني
منذ انطلاق بطولة كأس إفريقيا، لم يفت المتابعون ما صدر تباعًا من تصريحات مثيرة للجدل: مدرب جنوب إفريقيا في البداية، ثم صحافة جزائرية، واليوم مدرب مصر، وآخرهم مدرب السنغال، وكلهم – بدرجات متفاوتة – وجّهوا سهام النقد نحو المغرب، تارة بسوء التنظيم، وتارة بالمقارنة مع “الشان” في الجزائر، في مشهد يثير الاستغراب أكثر مما يثير النقاش الموضوعي.
لكن، وبكل واقعية، لنعترف: المغرب أخطأ… نعم أخطأ.
أخطأ حين وفر أقصى درجات الراحة للمنتخبات المشاركة.
أخطأ حين هيأ مناخ المنافسة في أفضل الظروف الممكنة.
وأخطأ أكثر حين رفع معايير الاستقبال والضيافة والتنظيم إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخ البطولات الإفريقية.
هذا كله غير مألوف في كأس أمم إفريقيا.
فالمنتخبات الإفريقية، للأسف، اعتادت التنافس في بيئات موبوءة، تخيّم عليها مخاطر الأوبئة، من كوليرا وأمراض قاتلة، واعتادت التنقل تحت حراسة أمنية مشددة، ترافقها مدرعات مصفحة، ليس من باب البروتوكول، بل خوفًا من الاختطاف على يد جماعات مسلحة خارجة عن القانون.
واعتادت الإقامة في فنادق بدائية، تسكنها الحشرات والزواحف، وتجاورها أحيانًا الحيوانات المفترسة، كما اعتادت اللعب في ملاعب تصلح لكل شيء… إلا لكرة القدم، ملاعب أقرب إلى الحقول الزراعية منها إلى منشآت رياضية تحترم المعايير الدولية.
واعتادت خوض المباريات تحت ضغط الخوف، وهاجس المرض، وانعدام الحد الأدنى من الطمأنينة النفسية واللوجستية.
في هذا السياق، يبدو أن المغرب ارتكب “جريمة غير مألوفة”:
جريمة رفع السقف عاليًا.
رفع سقف التنظيم، ورفع سقف الراحة، ورفع سقف الاحترام للمنتخبات، والجماهير، والإعلام، واللعبة نفسها. هذا الارتفاع المفاجئ في المعايير لم يستوعبه البعض بعد، سواء كانوا عربًا أم أفارقة، لأن المقارنة المؤلمة تفضح سنوات من التسيير المرتجل، والتطبيع مع الرداءة، والقبول بمنطق “هذا هو المتاح”.
المشكلة ليست في المغرب، بل في من اعتاد الفوضى حتى صارت عنده معيارًا، وفي من يرى أن التنظيم المحكم “استفزاز”، والاحتراف “مبالغة”، واحترام الإنسان “ترفًا غير ضروري”.
المغرب لم يسيء التنظيم، بل أساء إلى ثقافة التبرير.
لم يخطئ في الاستضافة، بل أخطأ في كشف الفارق.
ولم يرفع المعايير عبثًا، بل وضع الجميع أمام سؤال محرج:
لماذا لم نفعل مثل هذا من قبل؟
وهنا بالضبط، يبدأ الانزعاج… لا النقد.
Share this content:



إرسال التعليق