الاتحاد الاشتراكي وأزمة الهوية.. هل يبتعد إدريس لشكر عن روح الوردة؟
بقلم خالد اخازي
بين حسابات المشاركة الحكومية وأسئلة الوفاء للمبادئ، يجد حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نفسه أمام اختبار سياسي يتجاوز تدبير التحالفات إلى مراجعة مساره واستعادة ثقة قواعده وامتداده الشعبي.
لم تعد أزمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مجرد نقاش حول نتائجه الانتخابية أو موقعه داخل الخريطة السياسية المغربية، بل أصبحت سؤالاً أعمق يتعلق بهوية الحزب، وحدود اختيارات قيادته، ومدى قدرته على الحفاظ على الصلة بين تاريخه النضالي وانتظارات المجتمع المغربي اليوم.
فالحزب الذي ارتبط اسمه بمحطات بارزة في تاريخ المعارضة الديمقراطية، وبنضالات سياسية واجتماعية ساهمت في تشكيل الوعي السياسي المغربي، يجد نفسه أمام مفارقة واضحة: كيف يمكن لحزب راكم رصيداً تاريخياً كبيراً أن يقنع الأجيال الجديدة بأنه لا يزال يحمل مشروعاً مجتمعياً مختلفاً، وليس مجرد تنظيم يسعى إلى ضمان موقع داخل المؤسسات؟
من رصيد التاريخ إلى امتحان الحاضر
لا خلاف في أن الاتحاد الاشتراكي ليس حزباً عادياً في الذاكرة السياسية المغربية، وأن رمزيته التاريخية تمنحه مكانة خاصة لدى شرائح من المغاربة. غير أن الرصيد النضالي، مهما بلغت قيمته، لا يمكن أن يتحول إلى ضمانة دائمة للحضور والتأثير.
فالأحزاب السياسية لا تعيش على أمجاد الماضي، بل بقدرتها على تجديد أفكارها، وتقديم إجابات ملموسة عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية، والانخراط في هموم المواطنين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة، واتساع الفوارق المجالية، وصعوبة الولوج إلى عدد من الخدمات الأساسية.
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي الذي يواجه الاتحاد الاشتراكي لا يتعلق فقط بكيفية تدبير موقعه في المشهد السياسي، بل بمدى قدرته على استعادة وظيفته كقوة اقتراحية ونقدية تمتلك رؤية واضحة لمستقبل البلاد.
فالوردة، باعتبارها رمزاً سياسياً، لا تستطيع وحدها أن تعيد بناء الثقة، ما لم تستعد معها الأفكار والمواقف والممارسات التي منحتها معناها في الوجدان الجماعي.
إدريس لشكر بين تدبير الحزب وأسئلة التجديد
في قلب هذا النقاش، يبرز اسم إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتباره أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمرحلة الحالية من تدبير الحزب.
ولا يمكن اختزال أزمة تنظيم سياسي عريق في شخص قائده وحده، لأن التحولات التي يعرفها الحزب ترتبط أيضاً ببنيته التنظيمية، وخياراته الانتخابية، وعلاقته بقواعده، وقدرته على إنتاج نخب جديدة. لكن ذلك لا يعفي القيادة من مسؤولية تقديم حصيلة واضحة ومقنعة أمام المناضلين والرأي العام.
فالمطلوب اليوم ليس مجرد الدفاع عن الاختيارات السياسية أو تبرير التحالفات، بل فتح نقاش داخلي جدي حول أسباب تراجع الجاذبية الشعبية للحزب، ومدى حضور الديمقراطية الداخلية، وحدود تداول المسؤولية، وطبيعة العلاقة بين القيادة والقواعد.
كما أن أي نقاش بشأن المشاركة الحكومية المحتملة ينبغي أن ينطلق من سؤال المصلحة العامة والبرنامج السياسي، لا من الحسابات التنظيمية الضيقة. فالمشاركة في الحكومة ليست في حد ذاتها دليلاً على التخلي عن المبادئ، كما أن المعارضة لا تشكل وحدها شهادة على الوفاء لها.
المعيار الحقيقي هو ما إذا كان الحزب قادراً على الدفاع عن اختياراته أمام المواطنين، وتحويل التزاماته إلى سياسات قابلة للتقييم والمحاسبة.
المشاركة السياسية ليست غاية في حد ذاتها
تظل المشاركة في تدبير الشأن العام حقاً مشروعاً للأحزاب السياسية، بل قد تكون فرصة حقيقية للتأثير في السياسات العمومية وتنفيذ البرامج التي تعلن عنها. غير أن هذه المشاركة تفقد معناها حين تنفصل عن المشروع الذي تأسس الحزب للدفاع عنه.
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية التي تحيط بمستقبل الاتحاد الاشتراكي: هل تستطيع القيادة أن تجعل من الحضور المؤسساتي وسيلة لخدمة اختيارات اجتماعية واضحة، أم أن متطلبات الحفاظ على الموقع السياسي قد تصبح، مع مرور الوقت، مقدمة على تجديد المشروع الحزبي؟
إنها أسئلة مشروعة لا تستهدف التشكيك في النوايا، وإنما تضع الممارسة السياسية أمام مقتضيات الشفافية والمساءلة.
وفي هذا السياق، تكتسي معايير اختيار المسؤولين، وتدبير التوازنات الداخلية، واحترام الكفاءة والاستحقاق، أهمية خاصة. فكلما غابت المعايير الواضحة في توزيع المسؤوليات، اتسعت مساحة التأويلات والشكوك، وازدادت صعوبة إقناع المناضلين بأن الانتماء الحزبي يقوم على المشروع والكفاءة، لا على الولاءات الشخصية والحسابات التنظيمية.
ومن ثم، فإن قطع الطريق أمام شبهة المحاباة أو توظيف المناصب لخدمة التوازنات الداخلية يمر عبر قواعد معلنة، ومؤسسات حزبية قوية، وقرارات قابلة للتفسير والمساءلة.
أزمة اليسار تبدأ حين يضعف صوته الاجتماعي
لا تنفصل أزمة الاتحاد الاشتراكي عن الأسئلة التي تواجه اليسار المغربي عموماً، في سياق تغيرت فيه أنماط التصويت، وتراجعت فيه الثقة في عدد من المؤسسات والوسائط السياسية التقليدية، وبرزت فيه انتظارات جديدة لدى الشباب والفئات الاجتماعية الهشة.
فاليسار لا يستمد مبرر وجوده من اسمه أو رموزه، بل من قدرته على جعل العدالة الاجتماعية أكثر من شعار انتخابي، والدفاع عن تكافؤ الفرص أكثر من وعد موسمي، والوقوف إلى جانب الفئات المتضررة من الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية موقفاً واضحاً ومستقلاً.
وحين يبتعد الخطاب الحزبي عن الانشغالات اليومية للمواطنين، يصبح من الصعب إقناعهم بأن الاختلاف بين الأحزاب يتجاوز الأسماء والتحالفات والمواقع داخل المؤسسات.
لذلك، فإن استعادة الاتحاد الاشتراكي لدوره تقتضي مراجعة شاملة لخطابه وأدوات اشتغاله، وإعادة الاعتبار للعمل الميداني، وفتح الأبواب أمام الشباب والكفاءات، وتوفير فضاء حقيقي للاختلاف والنقاش، بعيداً عن منطق الاصطفاف الذي قد يحول الخلاف الفكري إلى صراع تنظيمي.
المصالحة مع المجتمع قبل البحث عن المواقع
إن الرهان الحقيقي أمام إدريس لشكر وقيادة الاتحاد الاشتراكي لا يتمثل فقط في الحفاظ على حضور الحزب داخل المؤسسات، بل في بناء شروط عودته إلى المجتمع بوصفه قوة سياسية تمتلك ما تقوله وما تقترحه وما تستطيع الدفاع عنه.
وهذه العودة لا تتحقق بخطاب يستحضر التاريخ وحده، ولا بتغيير مواقع التحالف من دون مراجعة عميقة، وإنما بمشروع واضح يحدد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية، ويمنح المناضلين دوراً فعلياً في اتخاذ القرار، ويجعل المسؤولية الحزبية تكليفاً مرتبطاً بالمحاسبة، لا امتيازاً منفصلاً عن الاستحقاق.
كما أن تجديد الحزب يمر عبر الاعتراف بأن التنظيمات السياسية ليست ملكاً لقياداتها، وأن استمرارها يتوقف على قدرتها على تجديد النخب والأفكار، والاستماع إلى قواعدها، واستعادة ثقة المواطنين الذين لم يعودوا يكتفون بالشعارات، بل ينتظرون نتائج ملموسة ومواقف واضحة.
الخلاصة: هل تستطيع الوردة استعادة معناها؟
إن أزمة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليست حكماً نهائياً على تاريخه، ولا إنكاراً لما قدمه رجاله ونساؤه في محطات مختلفة من تاريخ المغرب. لكنها، في المقابل، ليست أزمة يمكن تجاوزها بالاكتفاء باستدعاء ذلك التاريخ أو الاحتماء برمزيته.
إنها لحظة تستدعي شجاعة المراجعة، ووضوح الاختيار، واستعادة المعنى الاجتماعي والسياسي للمشروع اليساري.
أما إدريس لشكر، فإن التحدي الأكبر أمامه يظل مرتبطاً بقدرته على تحويل القيادة من موضوع للجدل الداخلي إلى فرصة للتجديد التنظيمي والسياسي، وإثبات أن مستقبل الحزب يمكن أن يُبنى على الأفكار والكفاءات والالتزام، لا على مجرد تدبير التوازنات.
فالأحزاب التي تفقد ثقة المجتمع لا تستعيدها بمجرد الاحتفاظ بمقاعدها، كما أن التاريخ لا يمنح أي تنظيم حصانة أبدية من المحاسبة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن يواجهه الاتحاد الاشتراكي بكل وضوح: هل يريد أن يظل حزباً يحمل ذاكرة اليسار المغربي، أم أن لديه الإرادة ليكون قوة حية تجسد مبادئه وتستجيب لانتظارات المجتمع؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للوردة؛ أن تستعيد جذورها، لا أن تكتفي بالتأمل في جمالها القديم.
Share this content:



إرسال التعليق