حين تتحول الصحافة الى ساحة التشهير…من يحمي اخلاقيات المهنة
هيئة التحرير
بعد المباشر الذي خصصته جريدة “أصوات كم” لتوضيح ملابسات حملة التشهير.. دعوة إلى فتح تحقيق مهني وقانوني شامل
في خضم الجدل الذي رافق في الآونة الأخيرة ما تعتبره السيدة كريمة دهناني حملة ممنهجة تستهدف شخصها وسمعتها ومهنيتها، خرجت خلال المباشر الذي تم بثه عبر صفحة جريدة “أصوات كم” للحديث بكل وضوح عن عدد من المعطيات التي تهم المشهد الإعلامي، وعن ضرورة الاحتكام إلى القانون والوثائق والجهات المختصة، بدل تحويل الصحافة إلى وسيلة لتصفية الحسابات الشخصية.
لقد وضعتُ خلال هذا المباشر النقاط على الحروف، ليس دفاعاً عن الأشخاص بمنطق الاصطفاف، وإنما دفاعاً عن مبدأ أساسي: الصحافة مهنة ومسؤولية، وليست منصة مفتوحة للتشهير أو تلفيق الاتهامات أو المساس بسمعة الأشخاص دون أدلة.
وإذا كانت هناك اتهامات موجهة إلى أي صحافي أو ناشر أو مؤسسة إعلامية، فإن الطريق الطبيعي هو تقديم الأدلة إلى الجهات المختصة، وليس إطلاق الأحكام عبر صفحات ومواقع إلكترونية.
من حق الرأي العام أن يعرف الحقيقة
إن ما يثير القلق اليوم ليس فقط مضمون بعض المواد المنشورة ضد السيدة كريمة دهناني، وإنما أيضاً سؤال أكبر يتعلق بمدى احترام شروط الولوج إلى مهنة الصحافة والاستفادة من بطاقة الصحافة المهنية.
وهنا لا بد من التوضيح أن هذه الدعوة لا تعني اتهام أي شخص بعينه، ولا التشكيك مسبقاً في قانونية أي بطاقة صحافة مهنية، وإنما تعني المطالبة بفتح الباب أمام تحقيق مؤسساتي شفاف للتحقق من احترام الشروط القانونية من طرف جميع المستفيدين، دون استثناء.
فالقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين ينظم صفة الصحافي المهني وبطاقة الصحافة المهنية، فيما أكد المجلس الوطني للصحافة في بلاغاته أن عملية دراسة الملفات تستوجب التدقيق في الوثائق والمعطيات والتأكد من صدقيتها وتناسقها، ومن ضمنها الشهادة أو الدبلوم والوثائق المتعلقة بممارسة المهنة.
كما أن المجلس الوطني للصحافة ينشر بشكل رسمي النصوص المنظمة للبطاقة المهنية وكيفيات منحها، وهو ما يجعل المطالبة بالشفافية في هذا الملف حقاً مشروعاً وليس اتهاماً لأحد.
نطالب بالتحقق من الملفات.. لا بمحاكمة الأشخاص
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم هو:
هل جرى احترام جميع الشروط القانونية بنفس المعايير مع جميع طالبي بطاقات الصحافة المهنية؟
وهل تتوفر جميع الملفات على الوثائق التي تثبت استيفاء أصحابها للشروط القانونية؟
وهل تم التحقق فعلياً من الشهادات والدبلومات، ومن حقيقة الممارسة المهنية، ومن الوثائق المدلى بها، ومن العلاقة المهنية بين الصحافي والمؤسسة التي صرّح بالاشتغال معها؟
هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما عبر افتحاص الملفات من طرف الجهات المختصة.
لذلك، فإنني أطالب المجلس الوطني للصحافة بتحمل مسؤوليته المؤسساتية، وفتح مراجعة وتدقيق في الحالات التي تثار حولها شبهات أو تساؤلات جدية، والتحقق من مدى احترامها للقانون.
كما أدعو، عند وجود معطيات أو وثائق جدية تستوجب البحث القضائي، إلى إحالتها على الجهات القضائية المختصة والشرطة القضائية المختصة، بما فيها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية عند توفر الاختصاص والمبررات القانونية، حتى تكون الكلمة الأخيرة للوثيقة والتحقيق والقانون.
لا نريد امتيازات.. نريد نفس المعايير للجميع
المطلوب ليس سحب بطاقة من هذا الشخص أو التشهير بذاك، ولا الدخول في حرب مضادة.
المطلوب أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه:
نريد تطبيق القانون على الجميع.
إذا كان شخص يستوفي الشروط القانونية، فليحصل على البطاقة وليمارس مهنته بكل احترام.
وإذا تبين بعد التحقيق أن ملفاً ما لا يستوفي الشروط، فليتم اتخاذ القرار الذي ينص عليه القانون.
أما أن تتحول بطاقة الصحافة المهنية إلى موضوع للتجاذب، أو أن تستخدم الصفة الصحفية لتوجيه اتهامات للآخرين دون أدلة، فذلك يضر أولاً بصورة الصحافة المغربية وبالثقة التي يفترض أن يتمتع بها الصحافي لدى الرأي العام.
إلى من يقود حملة التشهير: الدليل أم الصمت؟
أما بخصوص الحملة التي تقول السيدة كريمة دهناني إنها تتعرض لها، فإن الرسالة واضحة:
من يملك دليلاً على ارتكاب مخالفة فليقدمه إلى الجهات المختصة.
أما السب والقذف والتشهير وترويج المعطيات غير المثبتة، فلا يمكن أن يكون بديلاً عن التحقيق.
والسيدة كريمة دهناني، مثل أي مواطن، لها الحق في الدفاع عن سمعتها واللجوء إلى القضاء والمؤسسات المختصة إذا اعتبرت أن هناك تجاوزاً للقانون.
وفي المقابل، فإن أي جهة أو شخص يتهمها أو يتهم غيرها عليه أن يتحمل مسؤولية ما ينشره، وأن يثبت ما يقوله بالوثائق والأدلة.
كلمة أخيرة
لقد آن الأوان لفتح نقاش جدي حول أخلاقيات المهنة، شروط الحصول على بطاقة الصحافة المهنية، مسؤولية الناشر، وحدود النقد الصحفي.
فالصحافة الحرة لا تخاف من التحقيق، والمؤسسات المهنية القوية لا تخشى التدقيق، والصحافي الذي يعمل في إطار القانون لا يخشى الوثائق.
لذلك فإن مطلبنا اليوم واضح:
تحقيق مهني شفاف، تدقيق قانوني في الملفات التي تثار حولها تساؤلات، وتطبيق موحد للقانون على الجميع، ووضع حد لكل أشكال التشهير التي لم تثبت صحتها أمام القضاء.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة فوق الأشخاص، والقانون فوق الجميع، والوثيقة أقوى من الإشاعة.
لا نريد حرباً بين الصحف.. نريد صحافة تحترم نفسها وتحترم القارئ وتحترم القانون.
Share this content:



إرسال التعليق