المدير الاقليمي للصحة لمراكش بكرسي فارغ في نقاش حيوي حول الحكامة والنجاعة الصحية!
المصطفى بوناصر
بات سؤال التنمية ملحا في الأوساط ثقافية كانت اجتماعية أو اقتصادية بعد استفحال أزمات خانقة لم تستثن أي قطاع، اعتبرها البعض أزمة لنقلة فكرية وتقنية، لكن الغالبية اتفقت على أنها أزمة فساد مستشر في التدبير وتهميش متعمد لجل مؤسسات الرقابة، في هذا السياق ظهرت المنظمة المغربية للحكامة لتسهم برؤيتها في معالجة إجرائية تتجاوز منطق التشخيص للقطاعات المنكوبة نحو استقصاء أسباب العطل الهيكلي أو البنيوي أو التنظيمي، أي تفعيل الحكامة كمفهوم وكفرض عين ليس للاكتفاء باستغلاله في تجميل التقارير و لا ليقف عند حدود الرقابة، بل بتوفير شروط تذوق توابل تلك الوصفة الفضلى لتحسين المؤشرات وتقويم الرؤية بنظرة شمولية مندمجة.
فبعد القطاع التعليمي فتحت الهيئة ورش الصحة في مائدة مستديرة تنطلق من التداول مع مهتمين من مجتمع مدني، أكاديميين، خبراء، ومهتمين من مستثمرين في القطاع في مقاربة جريئة لاختلالات المنظومة.
أجمعت جميع مداخلات الحضور النوعي على رغبة أكيدة في إيجاد الحلول وصياغة مقترحات إن توفرت الإرادة السياسية، إلا أن غياب المدير الاقليمي وغياب كامل لطاقمه، فتح الباب لتأويلات تنفي تلك الرغبة المزعومة للإصلاح، بالرغم من أن المنظمة المغربية للحكامة اكدت غير ما مرة في محطاتها الإعلامية، أن غايتها من أي متلقى أو ندوة أو مائدة للحوار هي مدارسة ومصارحة لرفع مستوى الحوار والنقاش العمومي من تلك التجاذبات الفارغة نحو صياغة رؤية تعتمد الاشراك، ليس للاستجداء توصيات تتطلع للإصلاح فقط بل إجراءات ومشاريع قوانين تراهن على النجاعة لتحسين جودة الخدمات للمواطن، من خلال صياغة مقترحات عملية تقتضي الاستعجال لوضع مقاربة تعالج كل الاختلالات والاعطاب سواء في الرؤية أو عبر عدالة مجالية تركز على التنسيق المتكامل بين مختلف المتدخلين في المنظومة العمومية.
لقد أكد السيد أبو البقاء الرئيس المدير العالم لمجموعة إكسيل كمستثمر في مجال التكوين للموارد البشرية والتقنية في مجال المهن التمريضية أن مجموعته لا تقتصر رؤيتها على التكوين العددي بقدر ما تراهن على الجودة والكيف ليكون المتخرج على المام شامل بحسن التواصل وتعزيز الجانب الأخلاقي والحس الإنساني بل تتم المرافقة والمواكبة حتى اقتحام سوق العمل.
لتاتي مدخلة الدكتور اسماعيل شعوف باسم المؤسسة الجامعية لتؤكد أن الإخلال بالتوازن المفروض حفظه بين الصحة البدنية والصحة النفسية معيار أساسي في المنظومة الصحية، وقد اتضح بجلاء التقصير في بلورة سياسة وطنية في هذا الباب، سواء على مستوى الموارد كتعطيل وتأجيل قانون المعالج النفسي لترك المجال للخلط بينه وبين الطبيب النفسي او على مستوى التجهيزات لتبقى القطاع في وضع منفجر يهدد الاستقرار مع وقف التنفيذ، مادامت أغلب الامراض العضوية هي في الأصل نفسية بالقوة وهذا ما دفع مؤشر الانتحار بالقفز إلى أرقام قياسية ومع افتقاد المنظومة الصحية لأي دراسة علمية تسبر أغواره.
وفي قراءتنا كمنظمة لمجموع الأعطاب التي تعيشها المنظومة يتضح للمتتبع أنها أزمة رؤية، فخيار التخلي عن السياسة الوقائية و التركيز على تفريخ البنايات دون دراسة الخصاص المفروض على مستوى الموارد او المجال، هكذا لقي قطاع الادوية تهميشا ليتسع احتكاره من طرف للولبيات لا وطنية اغتنت على حساب صحة المواطن، كما أن ارتفاع الحاجة للتجهيزات التقنية والاليات وتطوره المتسارع لم يكن يتماشى مع وثيرة الرغبة في التجهيز لتصبح الوزارة سجينة تحيين مستجدات تقنية متسارعة دون أن تستوفي وثيرة نمو الطلب بكثرة الامراض المستعصية إما بتعاطي المستهلك المغربي مع مواد غريبة عن سلوكه الغذائي في غياب مواكبة للثقافة الغذائية و للمراقبة الصحية وكذا زيارة مهولة في السكان مع اتساع عشوائي للمدن.
إن الارتقاء بمنظومة الصحة يتطلب، أولاً، مراجعة شاملة للمناهج البيداغوجية لتتلاءم مع التحولات التكنولوجية المتسارعة، مثل الطب عن بُعد والذكاء الاصطناعي، مما يضمن تخريج جيل من المهنيين يمتلك مهارات تقنية عالية وقدرة على التكيف مع الأزمات الصحية الطارئة. كما أن الاستثمار في “العنصر البشري” لا يمكن حصره في التكوين الأساسي، بل يمتد ليشمل إرساء ثقافة التكوين المستمر كآلية لضمان جودة الرعاية وسلامة المرضى، مما يعزز الثقة في المؤسسات الصحية الوطنية
من جهة أخرى، ترتبط السيادة الصحية ارتباطاً وثيقاً بقدرة مراكز التكوين والبحث على الابتكار وتطوير حلول علاجية ووقائية محلية تعتمد الشراكة مع مراكز البحث والمختبرات الوطنية، مما يقلل من الارتهان للخبرات والواردات الخارجية. وفي ظل التحديات التي يفرضها ورش الحماية الاجتماعية، يصبح الرفع من الطاقة الاستيعابية للمعاهد والكليات، وتنويع التخصصات شبه الطبية والتمريضية، ضرورة ملحة لسد الفوارق المجالية وضمان وصول الخدمات الطبية إلى المناطق النائية.
إن هذا التوجه الاستراتيجي يحول التكوين من مجرد عملية تعليمية إلى محرك حقيقي للتنمية المستدامة والأمن القومي الصحي، كي يصبح التكوين المهني والجامعي ركيزةً استراتيجيةً لا غنى عنها لإصلاح المنظومة الصحية، ويتحول الاستثمار في العنصر البشري ضمانة اساسية لتجويد الخدمات، وتحقيق السيادة الصحية، وإنجاح ورش الحماية الاجتماعية. وتتجلى قيمة هذا التكوين في أبعاده المتعددة التي تساهم في سد العجز في الموارد البشرية والارتقاء بمستوى القطاع، باعتباره المحرك الأساسي والعمود الفقري لهذا المجال الحيوي.
هل من سبيل لتتحول المنظومة الصحية لتراهن على كرامة الانسان؟
هل الحكامة مؤشر لتدبير استراتيجي ام مجرد اكسسوار للتقارير الإعلامية؟
الى أي حد نجحت السياسات المتبعة في تنزيل مفهوم الصحة بشقيها العضو والنفسي؟
هل تمكنت مبادرة المنظمة المغربية للحكامة في استثمار اللقاء لخلق نقلة تعزز المسؤولية الجماعية لتتكاثف الأدوار بين الفاعلين المدنيين والمتدخلين سلطات محلية ومنتخبة اعلاميين من اجل الجودة والنجاعة؟
Share this content:



إرسال التعليق