الرحامنة.. حين تستعيد الذاكرة الحزبية أسماء صُنّاع البدايات: تكريم المناضلين اعتراف بالتاريخ قبل أن يكون التفاتة عابرة
كريمة دهناني
في لحظة تحمل أكثر من دلالة سياسية وتنظيمية، أعادت الالتفاتة التكريمية الأخيرة داخل حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الرحامنة فتح صفحة من الذاكرة الحزبية التي لا ينبغي أن تطويها التحولات، ولا أن تطمسها حسابات المواقع والمسؤوليات. إنها لحظة استحضار لرجال ونساء حملوا المشروع منذ إرهاصاته الأولى، وآمنوا بفكرته في زمن التأسيس، من محطة «لائحة الكرامة والمواطنة» إلى مرحلة بناء الهياكل وخوض غمار التجربة السياسية والتنظيمية.
فالأحزاب السياسية لا تُبنى فقط بأسماء تتصدر الواجهات، ولا تُقاس مساراتها بعدد المقاعد الانتخابية أو بحجم الحضور في المناسبات، بل تُبنى أساساً بتضحيات مناضليها، وبصبر الذين تحملوا مسؤولية البدايات، ودافعوا عن اختياراتهم في مراحل لم تكن دائماً سهلة أو مستقرة.
وفي استحضار الذاكرة التنظيمية لحزب الأصالة والمعاصرة بالرحامنة، يبرز اسم الحاج عبد العاطي بوشريط، الأمين الإقليمي السابق للحزب والرئيس السابق لجماعة ابن جرير، باعتباره أحد الوجوه التي ارتبطت بمراحل التأسيس والبناء، وواكبت المشروع منذ انطلاقته، وأسهمت في تشكيل حضوره السياسي والإقليمي.
كما يفرض الإنصاف السياسي والأخلاقي الوقوف عند مساري زهور الغندور وفوزية شطو، باعتبارهما من الأسماء النسائية التي ظلت حاضرة في محطات الحزب، وحافظت على ارتباطها بتجربته رغم ما عرفه المسار التنظيمي من هزات وتغيرات ومنعطفات.
إن الحديث عن هؤلاء ليس مجرد استعادة لأسماء من الماضي، بل هو تذكير بحقيقة أساسية: لا يمكن لأي تجربة حزبية أن تصنع مستقبلاً متماسكاً إذا لم تكن قادرة على الاعتراف بماضيها، ولا يمكن أن تتحدث عن تجديد النخب دون أن تنصف من ساهموا في وضع اللبنات الأولى.
ولعل الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الالتفاتة هي أن المناضل الحقيقي لا ينبغي أن يُستحضر فقط عندما تقتضي المناسبة ذلك، ولا أن تُقاس قيمته بمدى قربه من مراكز القرار، بل بما قدمه من جهد وتضحيات وما راكمه من حضور في ذاكرة العمل الحزبي.
لقد تأخر الاعتراف، وفق ما توحي به مسارات عدد من الأسماء التي ظلت تنتظر الإنصاف، لكن استحضارها اليوم يفتح الباب أمام ثقافة تنظيمية جديدة، قوامها رد الاعتبار، وتثمين العطاء، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ من سبقوها.
فالذاكرة الحزبية ليست عبئاً على الحاضر، بل رصيد له. والوفاء للمناضلين ليس مجاملة سياسية أو بروتوكولاً احتفالياً، بل مسؤولية أخلاقية وتنظيمية، لأن الحزب الذي ينسى صُنّاع بداياته يخاطر بفقدان جزء من هويته.
في الرحامنة، لم تكن هذه الالتفاتة مجرد تكريم لأسماء، بل مناسبة لطرح سؤال جوهري داخل كل تجربة حزبية: هل ننصف من صنعوا البدايات بالقدر نفسه الذي نحتفي فيه بمن يتصدرون المشهد اليوم؟
سؤال يظل مفتوحاً، لأن قيمة الأحزاب لا تظهر فقط في قدرتها على صناعة القيادات، وإنما أيضاً في قدرتها على حفظ الذاكرة والاعتراف بأصحاب الفضل في التأسيس.
Share this content:



إرسال التعليق