اسواق الأضاحي بين منطق العرض والطلب ومسؤولية التدبير العمومي: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟

اسواق الأضاحي بين منطق العرض والطلب ومسؤولية التدبير العمومي: من يحمي القدرة الشرائية للمغاربة؟

عبد اللطيف سحنون

مع اقتراب عيد الأضحى، تتحول أسواق المواشي في مختلف مناطق المغرب إلى فضاءات تعكس بوضوح حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها المواطن البسيط. فبدل أن تكون هذه المناسبة الدينية محطة للفرح والتكافل، أصبحت بالنسبة لكثيرين عبئًا ماليًا ثقيلاً، في ظل الارتفاع الملحوظ لأسعار الأضاحي واستمرار المضاربات التي تقودها فئات من الوسطاء والمهنيين غير المهيكلين.

هذا الوضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول فعالية التدخلات الحكومية لحماية القدرة الشرائية، خاصة في سياق يتميز بتوالي الأزمات، من الجفاف إلى ارتفاع أسعار الأعلاف، وصولًا إلى اختلالات سلاسل التوزيع. ورغم إعلان الحكومة عن إجراءات متعددة، من بينها تسهيل استيراد الأغنام ومنح امتيازات ضريبية ودعم موجه لبعض الفاعلين في القطاع، إلا أن أثر هذه التدابير على أرض الواقع ظل محدودًا، بل إن الأسعار واصلت منحاها التصاعدي، ما زاد من حدة التذمر الشعبي.

وفي هذا السياق، تبرز المفارقة الصارخة بين التصريحات الرسمية والواقع الميداني، حيث سبق أن تم الترويج لفكرة أن مبلغ 1000 درهم كافٍ لاقتناء أضحية مناسبة، غير أن ما تشهده الأسواق اليوم يكشف عكس ذلك تمامًا. فالمواطن البسيط، الذي بالكاد يوازن مصاريفه اليومية، أصبح عاجزًا عن مجاراة الأسعار التي قفزت إلى ما بين 3500 و4000 درهم، وهي بالكاد تضمن خروفًا عاديًا موجّهًا لأسرة بسيطة.

أما الفئات التي اعتادت في سنوات سابقة اقتناء أضحية في حدود 3000 درهم، فقد وجدت نفسها هذا العام أمام واقع مغاير، حيث أصبح لزامًا عليها مضاعفة ميزانيتها لتصل إلى 7000 درهم أو أكثر من أجل الحفاظ على نفس المستوى من الأضحية. هذا الارتفاع الحاد لا يعكس فقط اختلالات السوق، بل يبرز أيضًا حجم الضغط الذي أصبح يثقل كاهل مختلف الشرائح الاجتماعية، ويحوّل العيد من مناسبة دينية واجتماعية إلى تحدٍّ مالي حقيقي.

ويرى متتبعون أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في ندرة العرض أو ارتفاع كلفة الإنتاج، بل في غياب آليات صارمة لتنظيم السوق وضبط الأسعار، بما يضمن التوازن بين مصالح المنتجين وحماية المستهلكين.

ففتح باب الاستيراد، رغم أهميته الظرفية، لم يكن كافيًا لتحقيق الاستقرار المنشود، خصوصًا في ظل غياب شروط واضحة تلزم المستفيدين بتسقيف الأسعار أو احترام هوامش ربح معقولة.

كما أن انتشار ظاهرة “الشناقة” والمضاربين يزيد من تعقيد المشهد، حيث يتم استغلال الطلب المرتفع لتحقيق أرباح سريعة، دون اعتبار للبعد الاجتماعي لهذه الشعيرة الدينية. وهو ما يعيد إلى الواجهة ضرورة تشديد المراقبة وتعزيز دور لجان تتبع الأسواق، إلى جانب تفعيل آليات الزجر في حق كل من يثبت تورطه في التلاعب بالأسعار أو الاحتكار.في

في المقابل، يربط عدد من المحللين بين الوضع الحالي وبين الحاجة إلى تفعيل رؤية استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة قطاع تربية الماشية، بما يشمل دعم صغار الفلاحين بشكل فعلي، وتحسين جودة الأعلاف، وتطوير سلاسل الإنتاج والتوزيع. وهي أهداف سبق أن أكد عليها التوجيه الملكي في أكثر من مناسبة، باعتبارها مدخلًا أساسياً لتحقيق الأمن الغذائي وضمان استقرار الأسعار.

إن ما تعيشه أسواق الأضاحي اليوم لا يمكن فصله عن سؤال الحكامة الاقتصادية ونجاعة السياسات العمومية. فالمواطن، الذي يجد نفسه في مواجهة أسعار تفوق قدرته، ينتظر حلولًا ملموسة لا تبريرات ظرفية. كما أن استعادة الثقة تتطلب إجراءات جريئة، قائمة على الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يضمن عدم تكرار نفس السيناريوهات في مواسم مقبلة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الرهان الأساسي هو إعادة التوازن إلى السوق، بما يحفظ كرامة المواطن ويصون البعد التضامني لهذه المناسبة الدينية، حتى لا تتحول من شعيرة للفرح إلى مصدر للقلق والمعاناة.

Share this content:

تسليط الضوء