دفاعاً عن رجل أمن ومسؤول قضائي في ابن جرير.. حين تتحدث المسيرة المهنية وتسقط حملات التشكيك

دفاعاً عن رجل أمن ومسؤول قضائي في ابن جرير.. حين تتحدث المسيرة المهنية وتسقط حملات التشكيك

كريمة دهناني

حين سمعت لأول مرة اسم شخصيتين بارزتين في ابن جرير، العميد الممتاز يحيى السراحي والأستاذ حميد الجبوحة، وهما اسمان ارتبطا بمسارين مهنيين مختلفين، لكن يجمع بينهما الانضباط، وتحمل المسؤولية، والإيمان بقدسية الواجب وخدمة الوطن، كان أول ما استوقفني ذلك الحضور المهني الذي تركاه خلال سنوات من العمل.

وقد أعاد تداول مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي طرح اسمي الرجلين في النقاش العام، لكن ظهور اسميهما في هذا السياق جعلني أعود إلى السؤال الأهم: هل تُقاس قيمة الرجال بما يقال عنهم في منشور عابر، أم بما راكموه من تجربة ومسؤولية ومواقف طوال سنوات؟

الجواب بالنسبة إليّ واضح: المسيرة المهنية أقوى من المنشور، والحقيقة أكبر من الاتهام.

يحيى السراحي.. رجل أمن يعرف معنى المسؤولية

العميد الممتاز يحيى السراحي، رئيس الدائرة الأولى بحي المسيرة ونائب رئيس المنطقة الإقليمية للأمن بابن جرير، ليس اسماً طارئاً على العمل الأمني.

فالرجل راكم تجربة ميدانية جعلته قريباً من تفاصيل العمل الأمني، بما يتطلبه من يقظة وحزم وسرعة في التدخل، وفي الوقت نفسه احترام القانون وحقوق المواطنين.

والعمل الأمني بطبيعته ليس مهمة لإرضاء الجميع. رجل الأمن قد يجد نفسه أمام مواقف صعبة، وقرارات حاسمة، وأشخاص يمارسون أنشطة مخالفة للقانون، ولذلك فمن الطبيعي أن تثير بعض التدخلات أو القرارات ردود فعل من أطراف لم تكن راضية عنها.

لكن عدم رضا شخص عن قرار أمني لا يحوله إلى دليل على سوء نية المسؤول.

والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض من يوجهون سهامهم اليوم إلى الرجل كانوا في مناسبات سابقة يحرصون على التقاط الصور معه، ويتحدثون عن عمله بإيجابية، ويشيدون بتدخلاته في حفظ الأمن والاستقرار.

فهل تتغير قيمة الرجل المهنية بمجرد تغير المواقف؟

حميد الجبوحة.. حين يكون الدفاع عن القضاء دفاعاً عن دولة المؤسسات

أما الأستاذ حميد الجبوحة، المسؤول القضائي بالمحكمة الابتدائية بابن جرير، فإن الحديث عنه يحتاج إلى قدر أكبر من المسؤولية، لأن الأمر يتعلق بشخص يعمل داخل مؤسسة دستورية لا يجوز اختزال عملها في منشور أو مقطع فيديو أو رواية من طرف واحد.

لقد أزعجني شخصياً أن يُتناول اسم مسؤول قضائي بهذا الشكل، لأن المساس بسمعة رجل القضاء لا ينبغي أن يكون أمراً سهلاً أو مادة للاستهلاك في مواقع التواصل الاجتماعي.

القضاء له منطقه، وله مساطره، وله مؤسساته، وله طرق الطعن والاعتراض.

ومن اختلف مع قرار قضائي، فله كامل الحق في استعمال الوسائل التي يتيحها القانون. ومن يرى وجود مخالفة مهنية أو قانونية، فله أن يتوجه إلى الجهات المختصة ويضع بين أيديها ما يتوفر عليه من أدلة.

أما تحويل الاختلاف إلى اتهام، والاتهام إلى إدانة، والإدانة إلى حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، فذلك مسار لا يمكن أن يخدم العدالة.

والأستاذ حميد الجبوحة، قبل أن يكون اسماً يتداول على صفحات التواصل، هو مسؤول قضائي يفترض أن تتم مساءلة أدائه داخل الإطار الذي حدده القانون.

ومن حق أي مواطن أن ينتقد حكماً أو قراراً، لكن ليس من حقه أن يجعل من مجرد الاختلاف دليلاً على انعدام النزاهة.

لا تجعلوا مواقع التواصل محكمة

المشكلة اليوم ليست في النقد، فالنقد ضرورة داخل المجتمع، وإنما في أن يتحول بعض الفضاء الإلكتروني إلى ما يشبه محكمة تصدر الأحكام قبل التحقيق، وتوجه الاتهامات قبل تقديم الأدلة.

وهنا يجب أن نكون واضحين: من يملك دليلاً على أي مخالفة، فليقدمه إلى الجهات المختصة.

أما أن يتم نشر الاتهام ثم مطالبة الناس بتصديقه لمجرد أنه ظهر على شاشة الهاتف، فهذا لا يخدم الحقيقة.

بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول عدد المشاهدات إلى معيار للحقيقة، وعدد المشاركات إلى دليل إدانة.

الحقيقة لا تقاس بعدد الإعجابات.

رسالة إنصاف

أنا لا أقول إن المسؤولين فوق النقد، ولا أعتقد أن رجل الأمن أو المسؤول القضائي يجب أن يكون محصناً من المساءلة.

بل على العكس، كل مسؤول يجب أن يخضع للقانون، وأي تجاوز ثابت يجب أن تتم محاسبته وفق المساطر القانونية.

لكن الفرق كبير بين المساءلة المبنية على الدليل وبين التشهير المبني على الادعاء.

ولهذا، فإن الدفاع عن يحيى السراحي وحميد الجبوحة ليس دفاعاً عن أشخاص فوق القانون، وإنما دفاع عن مبدأ بسيط: لا تُدانوا أحداً قبل أن يثبت ما يُنسب إليه.

ويزداد الأمر أهمية عندما يتعلق الأمر برجل أمن يسهر على النظام العام، ومسؤول قضائي يعمل داخل مؤسسة يفترض أن تكون ملاذاً للمتقاضين.

ابن جرير تحتاج إلى الهدوء لا إلى التشكيك

مدينة ابن جرير تحتاج إلى رجال أمن يقومون بواجبهم، كما تحتاج إلى قضاء يحظى بالاحترام والثقة.

وقد نختلف مع بعض القرارات، وقد نطرح الأسئلة، وقد نطالب بالتوضيح، وهذا حق مشروع.

لكن علينا أن نحافظ على الحد الفاصل بين النقد والمسؤولية من جهة، والتجريح والتشهير من جهة أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإنني أقولها بوضوح:

يحيى السراحي وحميد الجبوحة لا يحتاجان إلى تلميع صورتهما، بقدر ما يحتاج النقاش حولهما إلى الإنصاف.

فمن كانت لديه وثيقة أو حجة أو دليل، فليضعه أمام المؤسسات المختصة.

أما الكلمات التي لا تسندها أدلة، فلن تستطيع مهما ارتفع صوتها أن تمحو سنوات من العمل والمسؤولية.

وفي النهاية، يبقى القانون هو الحكم، والمؤسسات هي الفيصل، والتاريخ المهني هو الشاهد.

فالرجل لا تهزه منشورات عابرة، والمسؤول لا يُدان بتعليق، والقاضي لا يُحاكم على صفحات التواصل، ورجل الأمن لا تُختزل مسيرته في مقطع متداول.

والإنصاف، في نهاية المطاف، ليس مجاملة لأحد؛ بل هو احترام للحقيقة.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء