تقديم الحصيلة الحكومية قبل نهاية الولاية: خطوة نحو ترسيخ النقاش العمومي المسؤول

تقديم الحصيلة الحكومية قبل نهاية الولاية: خطوة نحو ترسيخ النقاش العمومي المسؤول

كريمة دهناني


في سياق سياسي يتسم بترقب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، اختار عزيز أخنوش توقيتا لافتا لتقديم الحصيلة المرحلية لعمل حكومته، قبل نحو ستة أشهر من انتهاء الولاية التشريعية. وهو اختيار يحمل في طياته دلالات سياسية ومؤسساتية تستحق الوقوف عندها.
هذا التقديم المبكر لا يمكن قراءته فقط من زاوية التوقيت، بل من زاوية الرسائل التي يسعى إلى إيصالها. فمن الناحية السياسية، يفتح هذا القرار المجال أمام نقاش عمومي واسع حول السياسات العمومية المنجزة، بعيدًا عن ضغط اللحظة الانتخابية التي غالبًا ما تطغى عليها الحسابات الضيقة والشعاراتية.
كما أن تقديم الحصيلة في هذه المرحلة يمنح مختلف الفاعلين، سواء داخل المؤسسة التشريعية أو في الفضاء العمومي، فرصة كافية لتحليل الأرقام والمعطيات، ومقارنتها بالوعود والبرامج المعلنة، بدل الاكتفاء بعرض نهائي مغلق مع نهاية الولاية.
ومن منظور مؤسساتي، تندرج هذه الخطوة في إطار تفعيل روح الفصل 101 من الدستور المغربي، الذي يتيح مناقشة السياسات العمومية داخل البرلمان، ويعزز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كانت المعارضة تملك، نظريًا، صلاحية المبادرة بطلب هذه الحصيلة، فإن مبادرة رئيس الحكومة نفسه تعكس رغبة في التفاعل الاستباقي مع آليات التقييم والمساءلة.
في المقابل، تضع هذه الخطوة مختلف الفرقاء السياسيين أمام مسؤولياتهم. فالمعارضة مدعوة إلى تجاوز منطق ردود الفعل السريعة أو الخطابات الجاهزة، والانخراط في نقاش مؤسساتي مبني على المعطيات الدقيقة والحجج الموضوعية. كما أن الأغلبية مطالبة بدورها بالدفاع عن حصيلتها بلغة الأرقام والنتائج، لا بالاكتفاء بالشعارات.
إن الرهان اليوم لا يكمن فقط في مضمون الحصيلة المقدمة، بل في طبيعة النقاش الذي ستفرزه. فإما أن يتحول إلى مناسبة لتعزيز الثقة في العمل السياسي عبر نقاش جاد ومسؤول، أو يظل حبيس التجاذبات التقليدية التي تفقده قيمته الديمقراطية.
في نهاية المطاف، يشكل تقديم الحصيلة الحكومية في هذا التوقيت فرصة حقيقية لإعادة تنشيط النقاش العمومي، وفتح ورش تقييم موضوعي للأداء الحكومي. وهي خطوة، إذا ما أُحسن استثمارها، قد تسهم في ترسيخ ممارسة سياسية أكثر نضجا، قوامها الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والانتصار لمنطق المؤسسات.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء