طقوس اليهود المغاربة بين الذاكرة الدينية وثقافة “البركة” في مراكش
كريمة دهناني
تعدّ مراكش واحدة من المدن التي تختزن تنوعا دينيا وثقافيًا عريقا، حيث تعايشت عبر قرون مكونات مختلفة، من بينها اليهود المغاربة الذين تركوا بصمات واضحة في الحياة الاجتماعية والروحية. ومن بين المظاهر التي قد تثير انتباه الزائر أو الساكن، بعض الطقوس التي تُمارس في الفضاءات المفتوحة أو قرب الجدران التاريخية، مثل المنطقة المحيطة بـ باب دكالة.هذه الطقوس لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق الديني والثقافي الخاص باليهود المغاربة، الذين طوروا عبر الزمن ممارسات روحانية تمزج بين التعاليم الدينية والتقاليد المحلية. من أبرز هذه الممارسات ما يُعرف بـ“الهيلولة”، وهي احتفالات دينية تُقام تخليدًا لذكرى حاخامات أو أولياء يهود، حيث يتجمع الزوار للصلاة وطلب البركة، وغالبًا ما تكون هذه المناسبات فرصة للقاء العائلي والاجتماعي أيضًا.في هذا الإطار، قد يُلاحظ قيام بعض الأفراد بطقوس بسيطة أمام جدران أو أماكن يُعتقد أنها تحمل رمزية خاصة، مثل:الدعاء بصمت أو تلاوة نصوص دينيةلمس الجدار أو تقبيله كرمز للتبركوضع أوراق صغيرة تتضمن أدعية أو أمنيات في شقوق الحائط، في ممارسة تذكّر بما يحدث في حائط المبكىإشعال الشموع أو الوقوف في حالة تأملهذه السلوكيات تندرج ضمن مفهوم أوسع يُعرف في المغرب بثقافة “البركة”، وهي فكرة متجذّرة في الوعي الشعبي لدى المسلمين واليهود على حد سواء، حيث يُعتقد أن بعض الأماكن أو الأشخاص يحملون طاقة روحية خاصة يمكن أن تجلب الخير أو تحقق الأمنيات.ومن المهم التمييز بين هذه الطقوس ذات الطابع الروحي المحلي، وبين التصورات الدينية الكبرى في اليهودية المرتبطة بأرض الميعاد، والتي تظل مرتبطة أساسًا بمنطقة الشرق الأوسط كما ترد في النصوص الدينية اليهودية. فزيارة اليهود للمغرب، سواء للسياحة أو للمشاركة في الهيلولات، ترتبط في الغالب بالحنين إلى الجذور والذاكرة الجماعية، وليس بمشاريع استيطان أو بدائل جغرافية.في النهاية، تعكس هذه الطقوس جانبًا من التعدد الثقافي الذي يميز المغرب، حيث تتقاطع التقاليد الدينية مع العادات المحلية في إطار من التعايش التاريخي. وفهم هذه الظواهر يتطلب مقاربة هادئة تقوم على المعرفة والسياق، بعيدًا عن الأحكام المسبقة أو التفسيرات المتسرعة.
Share this content:


إرسال التعليق