في الحلبة هزم الأبطال… وفي السياسة حاصرته عصابات الفساد
كريمة دهناني
هناك رجال يهزمون خصومهم داخل الحلبات، وهناك رجال يدخلون معارك أصعب بكثير… معارك السياسة والفساد والمصالح الخفية.ففي رياضة “الكيك بوكسينغ” او البوكس وحتى الكراتيه قد يكون الخصم أمامك واضحاً، يواجهك بقبضتيه وقوته، لكن في عالم الجماعات والسياسة المحلية، يصبح الخصم وجوها متعددة، يبتسم لك في النهار ويطعنك في الظلام.الرجل الذي دوّخ أبطال الحلبات، وأسقط خصوما أشداء بقوة شخصيته وانضباطه، وجد نفسه عاجزا أمام شبكة من العراقيل والحروب الصغيرة عندما تولى مسؤولية جماعة أموزار. لم يسقطه ضعف، ولم تهزمه قلة الشجاعة، بل حاصرته عقلية الفساد التي تعيش على المصالح والولاءات والصفقات.في المغرب، يبدو أحيانا أن صاحب المبادئ يتحول إلى هدف، بينما يتحول الفاسد إلى “ذكي” يعرف كيف ينجو ويستفيد.الرجل الصارم الذي لا يساوم ولا يبيعكرامته، يصبح مزعجاً لمن تعودوا على العبث بالمال العام، ولهذا تبدأ حرب الاستنزاف: غيابات مفتعلة، شكايات، دعاوى، حملات تشهير، وتجييش منصات التواصل الاجتماعي، فقط لأن هناك من رفض أن يكون جزءاً من المستنقع.المؤلم في واقعنا أن الفاسدين لا يخافون من القانون بقدر ما يخافون من الإنسان النظيف. لأن النزيه يفضحهم بصمته قبل كلامه، وبمواقفه قبل خطاباته. لذلك يسعون دائماً إلى كسره أو تشويه صورته حتى لا يبقى نموذجاً يوقظ ضمير الناس.لقد أصبح الفساد في بعض المواقع أخطر من أي خصم داخل الحلبة. فالملاكم يواجهك بشرف، أما الفاسد فيقاتلك بالكواليس، بالإشاعات، بالمصالح، وبشراء الذمم. والأسوأ أن بعضهم ينجح في إقناع المجتمع بأن الشريف هو المشكلة، بينما اللص مجرد “سياسي ناجح”.السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل من السهل إسقاط رجل قوي؟بل: كيف وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها صاحب الأخلاق محاصراً، بينما يجد الفاسد دائماً من يحميه ويصفق له؟المغرب لا يدمره الفقر وحده، بل تدمره تلك العقليات التي تحارب كل شخص يريد العمل بصدق. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد ثقته في النزهاء، ويعتاد رؤية الفساد كأمر عادي لا يستحق الغضب.
Share this content:



إرسال التعليق