آسفي… البدوزة: الإسمنت… يزحف على الشاطئ بآسفي: من شهية البناء إلى ريع الرمال

آسفي… البدوزة: الإسمنت… يزحف على الشاطئ بآسفي: من شهية البناء إلى ريع الرمال

خالد اخازي

على حافة المحيط الأطلسي، حيث تلتقي مياه زرقاء صافية برمال ذهبية ناعمة، تروي منطقة “البدوزة” بإقليم آسفي حكاية غريبة من التناقض. حكاية تبدأ برائحة الهواء المالح ورذاذ البحر، وتنتهي بضجيج الآليات الثقيلة وطحين الإسمنت الذي يلتهم واحدة من أجمل البقع الساحلية المتبقية في المملكة.

لم تكد تهدأ زوبعة المشروع الأول، وما رافقه من أسئلة ثقيلة حول مصير أطنان من الرمال التي أزيلت تحت غطاء “تسوية الأرض”، حتى تفجرت معطيات جديدة أكثر إثارة وصدمة؛ على بعد ثلاثة كيلومترات فقط من الموقع الأول، انطلقت أشغال مشروع ثانٍ يكرر السيناريو ذاته، وبنفس المنهجية، وبنفس الصمت المؤسساتي المخيف. لكن المثير في الأمر أن هذا “المشروع الثاني” ليس عملاً عشوائياً خارج القانون؛ بل يحمل في جعبته أوراقاً إدارية “نظيفة” تمنحه شرعية قانونية مطلقة، تطرح أسئلة مزعجة على طاولات المسؤولين: كيف تحولت رخص البناء إلى جواز مرور لاستنزاف ثروات البدوزة؟

نحن هنا لم نعد أمام حالة معزولة يمكن تبريرها بسوء تقدير هندسي أو تجاوز فردي، بل نحن أمام ما يبدو أنه منهجية عمل متقنة، تتخذ من رخص البناء غطاءً لعمليات واسعة تستهدف تضاريس الساحل وتستنزف ثرواته الرملية بطرق تطرح أكثر من علامة استفهام حول وجهتها، وطبيعة المعاملات المالية المرافقة لها، وحجم التواطؤ أو التقصير في المراقبة.

في البدء كان الورق.. تغليف الكارثة بمستندات “رسمية”

قبل الغوص في تفاصيل الأضرار الميدانية، يجب أن نقرّ بالحقيقة المرة: كل هذه العمليات تتم تحت غطاء قرار إداري. في حوزتنا نسخة من قرار رقم 2013/02، صادر بتاريخ 15 غشت 2013 عن المجلس الجماعي للبدوزة (قيادة أولاد زياد، عمالة إقليم آسفي)، يمنح رخصة تجزئة لصالح شركة “MAXMAT s.a.r.l” بقيادة السيد ميلود هنودة، لإنجاز “مركب سياحي” في قلب المنطقة.

هذه الوثيقة، التي تستند في حيثياتها إلى الظهير الشريف رقم 297.02.1 الصادر في 3 أكتوبر 2002 المنظم للتعمير، وإلى قانون التجزئة والتقسيم 25.90، وترتكز في بنودها على قانون الميثاق الجماعي 00.78، تبدو للوهلة الأولى نموذجاً يحتذى في الالتزام بالإجراءات القانونية. فقد تحدثت المادة الخامسة من هذا القرار بصرامة متناهية عن عدم استغلال التجهيزات أو إتمام البنايات إلا بعد حصول صاحب المشروع على “المحضر الإداري للتسليم المؤقت”، وهو ما يمنح وكالة التعمير والمجلس الجماعي صلاحيات رقابية واسعة.

لكن هذه “الشرعية الوثائقية” هي بالضبط ما يجعل الجريمة البيئية أكثر خطورة. فالمستند لم يولد من فراغ؛ بل وُلد بعد موافقة لجنة تقنية مكلفة بدراسة ملفات طلبات الرخص بتاريخ 7 يناير 2013. إنها إذن عملية “مشروعة” بامتياز، لكنها مشروعة لتدمير إرث طبيعي، وتسويق رمال البحر في السوق السوداء.

المرآة الكاذبة للخرائط: 40 متراً من الورق مقابل 40 طناً من الإسمنت

من يطّلع على الخرائط المساحية المرفقة بهذه الملفات، سيُصاب بالذهول من دقة التصميم الهندسي. تُظهر الخرائط واجهة بحرية محترمة بامتياز؛ فأقصى اليسار تكتب عبارة “Domaine Maritime” (الملك العمومي البحري) بوضوح تام، ويحدد المخطط وجود طريق رئيسي بعرض 40 متراً (R.R N° 301) كمنطقة عازلة بين المشروع والبحر، مع طريق تهيئة داخلية فخمة بعرض 20 متراً. كما يظهر في منتصف المخطط بناء ضخم بشكل حدوة الحصان (يُفترض أنه مركز تجاري أو فندقي) محاط بكتل سكنية بنفسجية منتظمة، تشهد على تخطيط عمراني يحاكي “مراكش” أو “الدار البيضاء” الفاخرة.

لكن هذه “المرآة الكاذبة” تنكسر بمجرد أن نلتقط الصور الميدانية. فالخرائط تَعِد بالحفاظ على الملك العام وتحدد مسافة التراجع، بينما الصور الجوية تُظهر كيف أن آليات ثقيلة قامت بتسوية الأرض بالكامل، فاختفت الكثبان الرملية، وتقدمت الأساسات الخرسانية نحو خط الأمواج، وكأن القانون صار مجرد “زخرفة ورقية” تزيّن ملفات الاستثمار.

الخرسانة تزحف على الصحراء: مشهد مأساوي بالصور

الصور التي بين أيدينا لا تحتاج إلى شرح؛ إنها شاهد عيان صادم. الصورة الأولى تُظهر البدوزة في حالتها البكر: كثبان رملية ذهبية متموجة تمتد كأنها بحر من العسل، تتخللها نباتات صحراوية متواضعة، وفي الأفق بحر أزرق تتكسر أمواجه على الشاطئ بسلام. إنها لوحة طبيعية خلابة صمدت أمام الزمن، وظهرت فيها سيارة ركوب ومظلة صغيرة، مما يدل على أن المكان كان ملاذاً هادئاً للزوار وعشاق الطبيعة.

ثم تأتي الصور التي تليها لتكشف عن “الجريمة” بعينها: حفر عميقة وأساسات خرسانية مسطحة مصبوبة على التربة الرملية، وأكوام من الأتربة جانبية، وأسلاك شائكة تقطع الطريق على أي كان. المشهد لم يعد يوحي بمركب سياحي، بل بوحش أسمنتي قضم قلب الكثبان. هنا تتجلى مفارقة قاتلة: القوانين 25.90 و81.12 تمنع بشكل قاطع المساس بالكثبان الرملية الساحلية لأنها خط الدفاع الأول ضد طغيان المحيط وتشكل درعاً طبيعياً ضد التعرية، لكن الآليات الثقيلة تتجاهلها بصمت مريب، وتقوم بتحويل الجبل الرملي إلى أرض منبسطة تماماً، ربما ليستفيد المستثمر من “إطلالة بانورامية”، على حساب تدمير النظام البيئي بأكمله.

مثلث الرمال الأسود: من أين تأتي الشاحنات وإلى أين تذهب؟

المعضلة الأكبر في هذا الملف لا تقتصر على الحفر؛ بل تمتد إلى الوجهة النهائية لتلك الرمال المستخرجة. نحن لا نتحدث عن إزاحة بسيطة للتربة، بل عن آلاف الأمتار المكعبة من “الذهب الأبيض” الذي يختفي من الموقع بمجرد تحميله على الشاحنات. المعطيات المتداولة بقوة في الكواليس تشير إلى شبهة بيع هذه الرمال خارج الإطار القانوني، وبعيداً عن أي تتبع إداري أو جبائي.

هذه هي المعادلة الشيطانية: الشركة لديها رخصة “تسوية أرض” (وهي رخصة قانونية للبناء)، وتقوم بإخراج كميات هائلة من الرمال من الأرض بحجة أنها “تحتاج إلى قاعدة مسطحة” لصب الخرسانة. لكن أين تذهب هذه الرمال؟ هنا تظهر فجوة قانونية خطيرة، وهي أن الرخص الحالية لا تُقيّد كمية التربة المسموح بإزالتها ولا تطلب تصريحاً لوجهتها النهائية.

وهكذا، يجد المستثمر نفسه يمتلك “مقلعاً قانونياً” بالمجان، دون الحاجة لدفع رسوم المقالع، ودون التصريح لدى وزارة التجهيز، ودون أداء ضريبة. إذا ثبتت هذه الممارسة، فإن هذه العملية تضرب مبدأ المنافسة الشريفة، وتعرّي الخزينة العامة من ملايين الدراهم سنوياً، وتدخل في خانة الاقتصاد الأسود والتهرب الضريبي المفضوح. نطرح هنا سؤالاً حارقاً: من يشتري هذه الرمال؟ وكيف يتم إدخالها إلى الأوراش الكبرى في الدار البيضاء أو آسفي أو الجديدة دون وثائق تثبت مصدرها القانوني؟ أين هي المديرية العامة للضرائب؟ وأين تفتيش الشغل على الطرقات؟

كارثة بيئية متكاملة الأركان: قبضة المحيط تقترب

بعيداً عن الخسائر المالية، يحمل هذا “الاستنزاف الرملي” بذور كارثة بيئية حقيقية تهدد مستقبل المنطقة بأكمله. الكثبان الرملية الساحلية ليست مجرد أكوام رملية يمكن إزالتها لتوفير “إطلالة” على البحر، بل هي خط الدفاع الطبيعي الأول. هذه التكوينات الجيولوجية تقوم بدور حيوي في كسر قوة الأمواج العاتية، وامتصاص طاقة العواصف، والحد من التعرية الساحلية، والأهم من ذلك، حماية الفرشة المائية الجوفية من تسرب المياه المالحة.

عندما تقوم الآليات بإزالة هذه الكثبان وتسوية الأرض لتصبح في مستوى سطح البحر (أو أدنى)، فإنها تدمر هذا الحاجز الطبيعي وتفتح الباب على مصراعيه لتوغل مياه المحيط. النتيجة الحتمية لهذه الممارسات هي تسريع وتيرة التآكل الساحلي بشكل مرعب؛ فسرعان ما ستبدأ الأساسات الخرسانية التي تم صبها الآن في الطفو أو الغرق، وستهدد البنيات التحتية المجاورة، وستتلوث المياه الجوفية بالملوحة، مما يقضي على الزراعة في المنطقة بأكملها.

قانون الساحل 81.12 كان واضحاً وصارماً في هذا الشأن، حيث منع بشكل قاطع أي مساس بالكثبان الساحلية، وفرض مسافة تراجع إجبارية للمباني تفادياً لهذه المخاطر. فكيف يتم تجاهل هذه المقتضيات الصريحة في مشاريع البدوزة؟ ألم يقرأ المهندسون المختصون في الوكالة الحضرية هذه النصوص؟ أم أن التقييم البيئي (EIE) لهذه المشاريع مجرد “ختم مطاطي” موقّع لتمرير الملفات بسرعة؟

أصوات من تحت الرمال: مأساة الساكنة والأجيال القادمة

لا يقتصر الضرر على البيئة فقط، بل يمتد ليطال الحياة اليومية للساكنة. صيادو القوارب الصغيرة وساكنة الدواوير المجاورة لهذه المشاريع، ينظرون بحسرة إلى السيارات والشاحنات الضخمة وهي تلتهم أمام أعينهم “الحبل السري” الذي يربطهم ببحرهم. فمنذ أن بدأت هذه الأشغال، لاحظ السكان انحساراً غريباً في الشاطئ وتغيراً في طبيعة الأمواج، كما يُخشى أن تتأثر الآبار والأراضي الزراعية المجاورة بالتسرب الملحي خلال السنوات القادمة.

نسمع شهادات متضاربة من بعض العمال وأصحاب المقاولات الذين يقفون في الموقع؛ بعضهم يتحدث عن “مشروع سياحي سيعود بالنفع على الجماعة” و”فرص شغل جديدة”، لكن نظرة أعمق تكشف أن هذه الفرص مؤقتة وموسمية، وأن الأرباح الحقيقية تُقتطع في مكان آخر، في طرقات موحشة، وفي أموال نقدية تنتقل من صندوق إلى آخر بعيداً عن أعين المراقبين.

أسئلة بلا أصوات: أين مؤسسات الدولة؟

في خضم هذه الفوضى المنظمة، لا بد من توجيه أصابع الاتهام بوضوح ومسؤولية:
أين هي لجان اليقظة والمراقبة المحلية؟ أين هي المفتشية العامة للمالية التي تملك صلاحيات واسعة للتدقيق في صفقات المشاريع الكبرى؟
أين هو “السيادي” المسؤول عن مراقبة الملك العمومي البحري في عمالة آسفي؟ أين هي وزارة التجهيز والماء التي تدّعي حماية الساحل المغربي؟
هل تم تحرير محاضر مخالفات فور معاينة هذه الأشغال؟ إذا كان الجواب نعم، فلماذا لم تُفعَّل الجزاءات لإيقاف الأشغال؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما هو مبرر هذا الصمت المريب؟ هل يتعلق الأمر بنقص الموارد البشرية، أم بضعف في التنسيق، أم بتواطؤ صامت مع مصالح نافذة؟

نحن نفهم أن الاستثمار ضروري لخلق فرص الشغل وضخ الدماء في الاقتصاد المحلي، لكن لا يمكن أن يكون الاستثمار على حساب تدمير الثروة الوطنية والافتراس الجبائي. إن تحويل رخص البناء إلى أبواب خلفية لإنشاء “مقالع رمال غير مرخصة” هو بمثابة خيانة للوطن على مستوى الأرض، وسرقة للأجيال القادمة.

قبل فوات الأوان

تتوالى المشاريع في البدوزة، وتتزايد الحفريات، وتختفي الكثبان الرملية واحدة تلو الأخرى. إن هذا الملف لم يعد مجرد قضية محلية صغيرة يروج لها في مجالس الأحياء، بل أصبح قضية رأي عام وطنية تمس عدالة التوزيع، وسلامة البيئة، وهيبة الدولة.

إن الوثائق التي بين أيدينا، من القرارات الإدارية إلى الخرائط، والصور الجوية التي تكشف جروح الأرض، تستدعي من السيد وزير الداخلية، والسيد وزيرة إعداد التراب الوطني، والسيد وزير التجهيز، فتح تحقيق شامل وشفاف حول هذه الملفات، والتدقيق في مسار كل طن من الرمال خرج من هذه المنطقة، والكشف عن الحسابات البنكية التي تموّل هذه الأعمال، ومحاسبة كل من غضّ الطرف أو سهّل هذه الجريمة بحق الطبيعة.

قبل فوات الأوان، وقبل أن تبتلع المحيطات هذه المنطقة التي حاولنا “تسوية” أرضها، يجب أن نعيد للكثبان الرملية صرختها، وللبدوزة كرامتها، وللقانون هيبته. فأي استثمار يبني أطلالاً من الإسمنت على أنقاض الثروة الوطنية، هو استثمار فاشل مهما كانت أوراقه الرسمية نظيفة.

Share this content:

إرسال التعليق

تسليط الضوء