بين قرارات الأحزاب وحسابات السياسة: لماذا غابت تزكية لخصم وبوعيدة؟
كريمة دهناني
أعادت قضية عدم تزكية كل من مصطفى لخصم وعبد الرحيم بوعيدة لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة باسم حزبيهما السابقين، فتح النقاش من جديد حول طبيعة القرار الحزبي، وحدود الاستقلالية في اختيار المرشحين، وما إذا كانت هذه القرارات تعكس حسابات تنظيمية داخلية أم أن وراءها اعتبارات سياسية أوسع.
بالنسبة إلى مصطفى لخصم، كان حزب الحركة الشعبية قد رفض تزكيته، وهو ما ربطه الأمين العام للحزب محمد أوزين، وفق ما نقلته الصحافة، بالمتابعات القضائية التي تطاله. وبعد ذلك اختار لخصم خوض الاستحقاقات المقبلة باسم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
أما عبد الرحيم بوعيدة، فقد جاءت قصته مختلفة في التفاصيل، لكنها متشابهة في النتيجة. فقد أعلن استقالته من حزب الاستقلال بعد عدم اختياره ضمن المرشحين الذين زكاهم الحزب، معتبراً أن مواقفه السياسية وانتقاداته للسياسة الحكومية ربما كانت من بين أسباب عدم الرضا عنه داخل الحزب.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل نحن أمام قرارات تنظيمية عادية، أم أمام إعادة ترتيب للخريطة الانتخابية قبل استحقاقات 23 شتنبر 2026؟
من الناحية السياسية، لا يمكن اعتبار عدم التزكية في حد ذاته دليلاً على وجود “أيادٍ خفية”. فالأحزاب تملك، من حيث المبدأ، صلاحية وضع معايير لاختيار مرشحيها، وقد تأخذ بعين الاعتبار نتائج الاستطلاعات الداخلية، قوة المرشح محلياً، الانضباط التنظيمي، الوضعية القانونية، طبيعة التحالفات، أو فرص الفوز بالدائرة الانتخابية.
لكن في المقابل، فإن غياب الوضوح حول المعايير المعتمدة يفتح الباب أمام التأويلات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء سياسية وازنة لها حضور انتخابي وإعلامي.
واللافت أن حالة بوعيدة تطرح سؤالاً إضافياً، بعدما كان قد تداول في يونيو الماضي اسمُه كمرشح محتمل عن حزب الاستقلال بإقليم الرحامنة، قبل أن تتغير المعطيات لاحقاً وينتهي الأمر بعدم تزكيته واستقالته من الحزب.
أما لخصم، فقد انتقل سريعاً من البحث عن الترشح دون انتماء حزبي إلى اختيار حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، معلناً أن عدداً من الأحزاب تواصل معه قبل أن يستقر على “النخلة”.
وهذا التطور يكشف أن المشهد الانتخابي المغربي يعيش مرحلة دقيقة؛ فالتزكية لم تعد مجرد إجراء تنظيمي، وإنما أصبحت جزءاً من حسابات انتخابية وسياسية معقدة، تتداخل فيها قوة المرشح، وموقع الحزب، والتحالفات المحلية، والقدرة على المنافسة.
أما الحديث عن “أيادٍ خفية”، فيحتاج إلى كثير من الحذر. فالصحافة المهنية لا يمكنها تحويل الشكوك إلى حقائق، ولا اتهام جهات غير معلومة دون معطيات موثوقة. لكن من حق الرأي العام أن يطرح الأسئلة: من يحدد معايير التزكية؟ كيف يتم تقييم المرشحين؟ وهل تُتخذ القرارات على أساس الكفاءة والحضور الانتخابي فقط، أم تدخل فيها أيضاً الحسابات الداخلية والتوازنات السياسية؟
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من يقف وراء عدم تزكية لخصم وبوعيدة؟ بل ربما السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الأحزاب المغربية إقناع الرأي العام بأن قرارات التزكية تُبنى على معايير واضحة وشفافة ومتساوية بين جميع المرشحين؟
فالانتخابات ليست فقط منافسة على المقاعد، وإنما اختبار أيضاً لثقة المواطن في الأحزاب وفي الطريقة التي تصنع بها قراراتها.
والأيام المقبلة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان خروج هذين الاسمين من حزبيهما السابقين مجرد محطة عابرة في مسارهما السياسي، أم أنه مؤشر على تحولات أعمق في الخريطة الانتخابية والسياسية للمغرب.
Share this content:



إرسال التعليق