حين تنحرف الرسالة… الصحافة بين شرف المهنة وسقوط الابتزاز
كريمة دهناني
في الأصل، وُجدت الصحافة لتكون سلطة رابعة، تحمل على عاتقها مسؤولية نقل الحقيقة، والتدقيق في المعطيات، وإيصال صوت المواطن بكل نزاهة واستقلالية. فهي ليست مجرد مهنة، بل رسالة أخلاقية قائمة على البحث عن الحقيقة وخدمة الصالح العام.
غير أن هذا الدور النبيل قد يتعرض أحياناً لتشويه خطير، عندما ينحرف بعض المنتسبين إلى المجال عن قواعده الأساسية، ويحولون الكلمة من أداة تنوير إلى وسيلة ضغط وابتزاز. وهنا، لا نتحدث عن أخطاء مهنية عابرة، بل عن سلوك ممنهج يُسيء إلى صورة الصحافة برمتها.
إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الممارسة الصحفية هو استغلال المنبر الإعلامي لتصفية حسابات شخصية أو لتفريغ عقد نفسية متراكمة. فعندما تصبح المقالات والتدوينات محكومة بأهواء ضيقة، وتُبنى على الانتقائية والتضليل بدل التحقق والتوازن، فإننا أمام انحراف أخلاقي حقيقي لا علاقة له بالصحافة.
بعض الممارسات التي تُرصد اليوم تثير الكثير من علامات الاستفهام، خاصة عندما يتم توظيف “الفضح” كوسيلة للضغط، أو حين تُستخدم المعلومة كسلاح للابتزاز بدل أن تكون أداة للإخبار. هذا النوع من السلوك لا يضر فقط بالأشخاص المستهدفين، بل يضرب مصداقية الإعلام في العمق، ويزرع الشك لدى الجمهور في كل ما يُنشر.
إن الصحفي الحقيقي لا يحتاج إلى أساليب ملتوية لفرض حضوره، ولا يلجأ إلى تشويه الآخرين لبناء اسمه. فالمهنية تُقاس بمدى الالتزام بأخلاقيات المهنة: التحقق من المصادر، احترام قرينة البراءة، إعطاء الكلمة لجميع الأطراف، والابتعاد عن كل ما من شأنه المساس بكرامة الأفراد.
وفي المقابل، فإن من يحيد عن هذه المبادئ، ويجعل من القلم أداة للابتزاز أو التشهير، إنما يضع نفسه خارج دائرة الصحافة، مهما ادعى الانتماء إليها. فالمهنة بريئة من كل سلوك انتهازي، وهي في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى من يحميها من هذه الانزلاقات.
إن الدفاع عن أخلاقيات الصحافة ليس ترفاً، بل ضرورة ملحة لضمان إعلام نزيه ومسؤول. فإما أن تبقى الكلمة شريفة تخدم الحقيقة، أو تتحول إلى أداة هدم تفقد معها المهنة روحها ومعناها.
Share this content:


