بين الرقابة والتربية.. هل تكفي أجهزة كشف الغش لإنقاذ نزاهة الامتحانات؟
بدر الياسيني
أثار اعتماد وزارة التربية الوطنية لأجهزة كشف وسائل الغش الإلكتروني خلال امتحانات البكالوريا نقاشاً واسعاً بين المهتمين بالشأن التربوي، بين من اعتبر الخطوة إجراءً ضرورياً لحماية مصداقية الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين، وبين من رأى فيها مؤشراً على وجود اختلالات أعمق داخل المنظومة التعليمية تستدعي المعالجة من جذورها.
ولا يمكن اعتبار اللجوء إلى هذه التقنيات أمراً سلبياً في حد ذاته، فالمؤسسات التعليمية من حقها البحث عن مختلف الوسائل الكفيلة بمحاربة الغش وصيانة نزاهة الاستحقاقات الوطنية. غير أن اعتماد مثل هذه الأجهزة يطرح أسئلة جوهرية تتجاوز الجانب التقني، وتتعلق أساساً بالأسباب التي دفعت إلى الحاجة لمثل هذه الإجراءات الاستثنائية.
فإذا كانت الوزارة قد وصلت إلى قناعة بضرورة تشديد المراقبة بسبب تنامي أساليب الغش وتطورها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كان دور المدرسة في بناء شخصية المتعلم وترسيخ قيم الأمانة والنزاهة وتحمل المسؤولية منذ السنوات الأولى من التعليم؟ وهل حظيت التربية على القيم بالأهمية نفسها التي حظيت بها المناهج والبرامج المعرفية؟
إن المدرسة ليست فضاءً لنقل المعارف فقط، بل مؤسسة لتكوين المواطن وإعداد الأجيال القادرة على تحمل المسؤولية واحترام القانون والاعتماد على الجهد الشخصي في تحقيق النجاح. لذلك فإن نجاح المنظومة التعليمية لا يقاس فقط بنسبة النجاح في الامتحانات أو بالمعدلات المحصلة، وإنما أيضاً بمدى قدرتها على غرس الأخلاق والسلوك المدني والقيم الإنسانية لدى المتعلمين.
كما يفتح هذا الواقع باب النقاش حول مكانة التربية الأخلاقية والدينية والتوجيه التربوي داخل المدرسة المغربية، ومدى فاعلية البرامج المعتمدة في تعزيز الوعي بمخاطر الغش وآثاره السلبية على الفرد والمجتمع. فكلما نجحت المدرسة في بناء الضمير الأخلاقي للمتعلمين، تراجعت الحاجة إلى وسائل المراقبة والزجر.
وبالرغم من أهمية أجهزة الكشف في الحد من محاولات الغش، فإن استخدامها ينبغي أن يتم بطريقة متوازنة تراعي ظروف الامتحانات وتحافظ على راحة المترشحين وتركيزهم. وكان من الممكن، وفق عدد من المتتبعين، اعتماد هذه الأجهزة عند مداخل المؤسسات التعليمية أو قبل ولوج قاعات الامتحان، بما يضمن تحقيق الهدف الأمني والتنظيمي دون التأثير على الزمن المخصص للاختبارات أو إرباك التلاميذ أثناء إجرائها.
وفي النهاية، تبقى التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة، أما الحل الحقيقي فيكمن في بناء مدرسة قادرة على صناعة الثقة وترسيخ القيم قبل فرض الرقابة. فكلما نجحت المنظومة التعليمية في تكوين مواطن نزيه ومسؤول، قلت الحاجة إلى أجهزة الكشف ووسائل المراقبة، وأصبح الضمير هو الحارس الأول لنزاهة الامتحانات.
Share this content:



إرسال التعليق